مام جلال، الرئيس جلال
فالح عبدالجبار الحياة 2005/04/24
هذه لحظة خاصة في التاريخ العراقي. فللمرة الأولى نحظى برئيس كردي الأرومة وعربي اللسان. والأكراد يحبون الوضوح، الدقيق والحسي. فمثلاً، كلمة الكردي (بضم الكاف في العراق وبكسرها في لبنان) تُكتب هكذا: كوردي. حار العرب في كتابة الضمة والفتحة والكسرة، حتى ابتكر المبتكرون واواً مصغرة والفاً مصغرة وياءً مصغرة. أما الكرد، فالضمة والفتحة والكسرة عندهم حروف تدخل على الكلمة وتلغي أي التباس في اللفظ والمعنى. هذا العشق للوضوح في النطق والاملاء يوازيه شغف أكبر في طلب الوضوح في السياسة أيضاً. لكن التباسات السياسة لا حدّ لها. ومن أغربها أن حديث العرب عن الأمة العربية يُعدّ من الاصول والطبيعيات، أما حديث الكردي عن حكم ذاتي أو فيديرالية، ناهيك عن أمة كردية، فيُعدّ من ضروب التعصب والعنصرية. وهذا مضحك حقاً. فإما أن كل حديث عن قومية المرء وأمته ولسانه هو من الأصول والطبيعيات، أو أنه من التعصب والعنصرية.
قد يتبادل العرب والكرد مثل هذه الاتهامات، وليس من دون أسباب بعضها وجيه. ولعل أبرز هذه الاسباب ما يُعرف بمماحكة الجيران. ذلك أن الكرد والعرب خرجوا من تاريخ الامبراطورية المقدسة (العثمانية) سوية، مثلما ولجوا عصر القوميات سوية. ولهذا العصر قساواته. فلا العرب أسسوا دولة واحدة، ولا الكرد نالوا مبتغاهم القومي ولو في نصف دولة. والعرب، كما الكرد، موزعون على بلدان شتى، وهذه البلدان وحدات سياسية قائمة بذاتها، شبيهة بدول قومية مصغرة، وإن كان بعضها متعدد الأقوام. والعراق واحدة منها. لكن الفارق أن العرب يحكمون في كل الدول الصغيرة التي انشأوها أو انشئت لهم. أما الأكراد فلا حظ سياسياً لهم ولا حظوة، لا في بلدان العرب ولا بلدان غيرهم، تركاً أو فرساً.
وبقدر ما يتعلق الأمر بكرد العراق، ثمة تاريخ مستور يتجنب الكثيرون الخوض فيه. فمثلاً، أن الوثائق البريطانية تحوي محاضر لقاء تاريخي بين المندوب السامي البريطاني في العراق السير بيرسي كوكس (يلفظه العوام كوكز) والأمير فيصل بن الشريف حسين (قبل تتويجه ملكاً)، لبحث المستقبل السياسي لمخلفات الرجل المريض (الدولة العثمانية). حسب منطوق اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى (فرساي أو سيفر) تقرر انشاء دول قومية عدة، واحدة للترك (تركيا) وواحدة للكرد (جنوب تركيا وشمال ما صار العراق) وواحدة للعرب (في العراق التاريخي). الأمير فيصل قال لبيرسي كوكس إن هذا التدبير غير حصيف، إذ سيضع عراقه الملكي، الموعود، وسط أربع دول معادية هي: إيران في الشرق وتركيا والدولة الكردية الى الشمال والسعودية الى الجنوب. وأضاف الامير - الملك فيصل ان حذف الكرد من العراق الموعود، وهم سنّة شوافع مثله، سيضعه على رأس مملكة أغلبيتها شيعية، وأقليتها سنّية حنفية. الوثائق تفيد أن بيرسي كوكس رأى حسابات الأمير فيصل وجيهة.
كان ذلك أول مسمار يدق في نعش الآمال القومية الكردية. المسمار الثاني جاء من أتاتورك الذي انتصر في حرب التحرير التركية ليعلن عن تراجعه عن اتفاقية سيفر التي ضمنت للكرد دولتهم القومية أسوة بالعرب والترك. وكان حظ الكرد أن يسقطوا في شرك الشراكة مع العرب والترك. ولم يشفع لهم أن عصبة الأمم وبريطانيا العظمى، دولة الانتداب على العراق، فرضتا على الحكومة العراقية احترام الأقليات الدينية والقومية غير العربية، ولم يشفع لهم ايضاً أن المعاهدة البريطانية - العراقية حوت بنوداً لحماية القوميات باحترام لغتها وحقها في التعليم بهذه اللغة، وغير ذلك من حقوق إدارية.
وإذ بات العرب والكرد (مع آخرين) حبيسي دولة واحدة، كان أمامهم طريقان لا ثالث لهما: فإما التعايش بالتراضي والتساوي، أو الاحتراب. جربت أجيال من سياسيين قصيري النظر دروب الصهر القومي وفشلت المرة تلو المرة، من دون أن تتعظ من مغبة ارتياد هذه المسالك الوعرة، حتى انهيار آخر دولة نزاعة الى الصهر المؤلم. أعرف أن مبدأ القوميات صار مبدأ سامياً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى: لكل أمة دولتها. لكن هذا المبدأ لم يحل مشكلة تحديد الأمة. فالجماعة القومية تحدد اليوم إما باللغة (لدينا 8000 مجموعة لغوية في العالم) أو بالدين (لدينا مئات الأديان والمذاهب) أو بالعرق (لدينا ستة عروق من دون حساب الهجائن الخلاسية). في المقابل ليس لدينا أكثر من 200 دولة. والدول «النقية» قومياً لا تزيد على 15 دولة في العالم.
بتعبير آخر، الدول المتعددة الاثنيات اللسانية أو الدينية أو العرقية هي القاعدة لا الاستثناء. بل ان حركة الهجرة الواسعة تتحدى وتبطل النقاء القومي لبعض أقدم الدول القومية في أوروبا (فرنسا أو المانيا). الولايات المتحدة التي دشنت تاريخها كدولة بيضاء بروتستانتية انتهت الى أن تغدو أكثر الدول المبرقشة دينياً وعرقياً ولسانياً. الناطقون بالاسبانية، مثلاً، يؤلفون ثلث السكان فيها، ناهيك عن حشود الافارقة والصينيين والهنود والعرب والطليان ومن لا حصر لهم من «أعاجم».
وعودة الى العراق. إن واقعه المبرقش قائم منذ لحظة التأسيس الحديث. واقتضى الأمر نحو قرن وبضعة حروب، وعشرات الآلاف من القتلى وبلايين مهدورة، كي يفهم بعضنا مغبة الاحتكار القومي، ومزالق الازدراء القومي والتعالي إزاء الغير.
يقف العراق على مفترق طرق مغادرة الاحادية القومية، الاحتكارية والقسرية، الى رحاب التعدد. ولعل انتخاب مام جلال رئيساً انتقالياً أول الخطوات لكسر اثنين من التقاليد التاريخية الخاطئة. فهو أول رئيس كردي، وهو ايضاً أول رئيس يأتي عبر صناديق الاقتراع. خلال العهد الملكي كان لنا رؤساء وزراء سنّة وشيعة وكرد وتركمان، تجمعهم هوية عراقية كانت ما تزال طرية العود، هشة، إلا أنها كانت تحظى باعتراف جمعي. واليوم، بعد نصف قرن من عهود عسكرية أو شمولية قاسية، تكسرت الهوية العراقية شظايا. وبات التعبير عن الانتماء اليها يمر بموشور الهويات الصغرى. وما هذه إلا وسيلة احتجاج على اقصاء مديد، ووسيلة تعبئة من أجل الاندراج الطوعي (لا الدمج القسري) على اساس المشاركة المتساوية.
لست في معرض الخشية من ذلك. على العكس، أجده «طبيعياُ» بعد كل هذه الحرمانات. نحن بحاجة الى أن ندع الوعول الظامئة ترتوي أولاً، فهذا أول مطالب الوجود.
لقد بدأ الرئيس جلال طالباني حياته مثقفاً كردياً، يناديه العرب «كاكا»، أي أخ. وبعد أن صعد نجمه في الحزب الديموقراطي الكردستاني صار يُلقب بـ«هاوري»، أي رفيق، ولما بات زعيماً لحزب جماهيري، اختار له مريدوه لقب «مام» أي العم جلال.
واليوم صار مام جلال الرئيس جلال (لا أعرف ما هي كلمة «رئيس» بالكردية). ولإدراك مغزى الفروق أو التواصل بين «كاكا» و«هاوري» و«مام»، يتعين أن نشمّر عن السواعد لنبدأ تعلم الكردية. فثنائي اللغة أرحب فكراً من أحاديها. ومطلب المساواة يقتضي ذلك، مثلما تقتضيه الكياسة، أو تستدعيه آداب مريدي الحق.
(كاتب وباحث عراقي)