تأملات / قضية كامل شياع !
رضا الظاهر/ طريق الشعب
الأسئلة حول مصرع كامل شياع يجيب عليها تألقه كمثقف قدم نموذجاً نادر المثال في فكره وسلوكه وحياته، نموذجاً أثار خشية الظلاميين منه، وحقدهم عليه، فقرروا تصفيته جسدياً.
والهدف من وراء قتله، ببساطة وجلاء، هو قتل المشروع الذي سعى إليه، مشروع إحياء الثقافة الوطنية، وإعادة الاعتبار للعقلانية، وإرساء أسس الديمقراطية، شرط حرية الابداع.
كان نموذج كامل تجسيداً ساطعاً للتفاعل بين المثقف والسياسي، بعيداً عن ابتذال الآيديولوجيا، وقريباً من مجابهة أسئلة الواقع في إطار ذلك التفاعل كتجلٍّ للتنوير وضرورة للتغيير، عبر موازنة بين الهمّ اليومي والمرتجى الجمالي.
وكان من بين دلالات إصرار كامل على مواصلة التحدي والعمل في أقسى الظروف ما يؤكد على إمكانيات نهوض الثقافة الوطنية ودورها في بناء المجتمع. وعلى الرغم من أن ما تحقق في هذا الميدان يبدو ضئيلاً على السطح، فضلاً عن كونه مسألة مثيرة للجدل بسبب تركة الاستبداد وأجواء العنف ومرارة المعاناة ويأس المثقفين من قدرات "السياسيين" على استيعاب قضية الثقافة، على الرغم من ذلك فان من يرصد، بعمق، التحولات التي جرت في حقل الثقافة، وسط التباسات "انتقالية" محبطة على أكثر من صعيد، يمكن أن يرى إنجازاً واعداً يرسي أسس انطلاقة حقيقية إذا ما اقترن بإرادة وإصرار من المثقفين والقوى الحية في المجتمع التي تعول على الثقافة كرافعة للتحول الاجتماعي.
ويضعنا هذا، من بين حقائق أخرى، أمام الدور الاقتحامي للمثقفين، وهم يتمسكون بخصوصية مسعاهم الجمالي، ويكافحون "السلطة"، بسائر أنماطها، وهي تبذل كل ما تستطيع وتستخدم كل الوسائل، لاشاعة ثقافة الخنوع وتأبيد الواقع وإيقاف التنوير والتغيير، لأن هذا هو ما يفضح ويعوق امتيازات أهل تلك "السلطة".
ولا مبالغة في القول إن جريمة اغتيال كامل شياع تشير الى ملامح مرحلة جديدة في الخطر الذي يواجه ثقافتنا الوطنية. لقد قتل الفاشيون لوركا، وكان ذلك إيذاناً بالهجوم على الثقافة الديمقراطية في أسبانيا، وقتل الظلاميون حسين مروة، وكان ذلك إيذاناً بمرحلة جديدة من حرب الطوائف وحصار الثقافة الديمقراطية في لبنان. وارتكب أشقاؤهم الوحوش جريمة قتل كامل شياع إيذاناً بمرحلة جديدة من الهجوم على الثقافة الديمقراطية في بلادنا.
أما عاصفة الادانة المتعاظمة، التي تتخذ أشكالاً متنوعة، تجسد حيوية المثقفين، وبينها بيانات استنكار للجريمة، وتضامن مع الضحايا، وفيض مقالات كتبها رفاق وأصدقاء كامل، ومبادرات مثقفين أحيوا في لقاءاتهم الحميمة ذكرى الراحل الغالي، فستظل متعاظمة لا للمطالبة بالكشف عن الجناة ومن يقف وراءهم حسب، وإنما، أيضاً، للتأكيد على ضرورة حماية حياة المبدعين. ولعل هذا التحرك الواسع لخيرة مثقفات ومثقفي شعبنا يعبر، من ناحية، عن تقدير رفيع لمثال كامل، ومن ناحية أخرى عن إحساس بامكانية تحقيق المشروع الحلم الذي كان كامل مقتنعاً به على نحو راسخ وهو في خضم التراجيديا التي انتهت به شهيداً للفكر.
إن ما يبدو نجاحاً للقوى المعادية للعقلانية والتقدم هو ناقوس خطر لكل من تعز عليه قضية الثقافة الوطنية، وهو، أيضاً، مؤشر على الذعر الذي ينتاب هذه القوى التي عجّلت بقتل كامل، في مسعى يائس للتمهيد لعهد جديد من الاستبداد لن يكون أقل تدميراً من استبداد الدكتاتورية.
وقضية استشهاد كامل أكبر من مجرد تصفية حسابات سياسية أو اغتيال مثقف أو قائد سياسي. إنها، بايجاز، معركة على البديل، وعلى نتائجها تتوقف مصائر وجهة التطور في بلادنا. ومن هنا أهمية الشروع بحملة شاملة تتجاوز الغضب الآني والحماس المؤقت، وتتحول الى حركة يساهم فيها سائر المثقفين بشتى انتماءاتهم وتبايناتهم الآيديولوجية. ولابد أن يسعى المشاركون في الحملة الى تنسيق الجهود وإدامتها عبر خطة مدروسة وآليات عملية تنطلق من دلالة استشهاد كامل وتربط قضيته بقضية الثقافة. ويتعين أن تتحرك هذه القضية في الوطن عبر المؤسسات الحكومية المعنية والبرلمان واتحاد الأدباء وسائر منظمات وجمعيات الفن والثقافة، وفي الخارج عبر التوجه الى الأمم المتحدة واليونسكو والبرلمان الأوروبي والمنظمات الثقافية الدولية ومنظمات حقوق الانسان والشخصيات ذات المكانة الثقافية المؤثرة.
كامل شياع شهيد الأمل .. ولابد أن يحفز هذا الاستشهاد المثقفين، بسائر تلاوينهم، على تحقيق وحدتهم، ذلك أن قضية الثقافة قضية وطنية لا قضية جماعة أو طائفة أو حزب.
أليس جديراً بمثل هؤلاء المثقفين أن يعدّوا لما هو جدير بكامل شياع، وأعني، على سبيل المثال، مؤتمراً ثقافياً لاحياء ذكراه والتعريف بسيرته الابداعية والكفاحية، ونشر إنجازاته .. مؤتمر كامل شياع السنوي .. مؤتمر الثقافة الوطنية العراقية ؟
* * *
ستهدأ الأحزان على رحيل كامل لتمسي أعمق، فهذا من طبائع الحياة. غير أن للحزن العميق جذوة لابد أن تجد ما يوقد جمراتها .. وإبقاء قضية كامل شياع حيّة هو ما يوقد هذه الجمرات ..
أناديكم أيها الحريصون على الثقافة الوطنية والقيم الجمالية والحياة الانسانية، بل أحرضكم يا محبي المثقف القديس كامل شياع على أن تستنهضوا الهمم والضمائر، وأن تفعلوا كل ما بوسعكم دفاعاً عن القضية السامية .. قضية كامل شياع !