رضا الظاهر / طريق الشعب
يبدو أن هذه البلاد، التي تحمل الكثير من المسميات، تضيف الى نفسها الجديد دائماً. وبوسعنا أن نسميها، هذه المرة، بلاد أوهام. فلبعض قواها السياسية أوهام، ولخصوم هذه القوى أوهام. ولعل الأكثر أوهاماً هم "محررو" هذه البلاد. وقد تطول قائمة الأوهام وضحاياها. غير أن ما يعنينا، هنا، هو الشركات الوهمية.
وقد حذر مجلس الوزراء، مؤخراً، من استفحال ظاهرة هذه الشركات، مشيراً الى أنه "ظهرت في الآونة الأخيرة مؤسسات وشركات وهمية تمارس عمليات النصب والاحتيال المالي بهدف تخريب الاقتصاد العراقي من خلال الاستثمار المالي البعيد كلياً عن رقابة البنك المركزي العراقي ورقابة السلطة المالية". وطالب المجلس المواطنين بعدم الدخول في أية علاقة مالية مع هذه الشركات إلا بعد التحري عن حقيقتها. وفي السياق ذاته حذر البنك المركزي من التعامل مع الشركات الوهمية.
غير أن خبراء مصرفيين انتقدوا البنك المركزي على افتقاره الى خطة لتنظيم عمل المصارف الأجنبية في العراق بسبب سياسة المحاصصات الطائفية والاثنية التي عرقلت الآليات المعتمدة سابقاً في البنك المركزي. وحث هؤلاء الخبراء المتعاملين مع فروع بنوك من دول مجاورة على سحب أموالهم لأنها بحكم المسروقة، فضلاً عن نقص الأرصدة في هذه المصارف التي جاءت الى العراق لسرقة أموال المواطنين لا لمساعدتهم.
ويعود ظهور الشركات الوهمية، من بين أسباب أخرى، الى ضعف الجهاز المصرفي العراقي ومحدودية انتشار مؤسساته. وتشير إحصائيات الى أن هناك مصرفاً واحداً لكل 54 ألفاً من السكان، بينما يوجد مصرف واحد لكل 10 آلاف في بلدان عربية كثيرة. أما في الدول الأوروبية فلكل 10 آلاف مواطن ستة مصارف. ويعني هذا أنه عندما تكون لدى الناس أموال دون قنوات لاستثمارها فانهم يلجأون الى هذه الشركات بقصد الربح السريع. ويتفاقم هذا النشاط الغائم ارتباطاً بتوفر السيولة في الأسواق وارتفاع مدخرات صغار المستثمرين الذين يسهل الاحتيال عليهم، فينتهي الأمر الى اختفاء تلك الشركات أو تهريب أموالها الى الخارج، فيتحول "المساكين" الى ضحايا لعمليات نصب وتخريب.
ومن ناحية أخرى يرى خبراء أن بنوك "الجيران" تمارس نشاطاتها المصرفية في ظل غياب رقابة حكومية بسبب تدني قدرة الجهاز المصرفي العراقي على رصد اتجاهات هذه البنوك الى تحولت، حسب الخبراء، الى شركات لتوظيف الأموال بشكل غير مشروع واستثمارها في مشاريع وهمية.
ونقلت تقارير عن مسؤول حكومي قوله الشهر الماضي إنه ألقي القبض على صاحب شركة وهمية تملك فروعاً في ثماني محافظات جنوبية فضلاً عن بغداد، بتهمة الاستيلاء على ملايين الدولارات. وأشارت التقارير الى تأكيد عدد من التجار على أن لدى الشركة، التي ظهرت قبل ما يزيد على العام في محافظات البلاد الجنوبية، عقوداً ومكاتب في دولة خليجية وأرصدة في مصرف هناك.
وفضلاً عما ذكرناه من أسباب لانتشار ظاهرة الشركات الوهمية، التي تسهم في تخريب اقتصاد دولة يعاني، أصلاً، من التشوهات والعوائق، بوسعنا القول إن جذور هذه الظاهرة تعود الى نهج مهندس المقابر الجماعية في تأسيس شركات وهمية لعل المثال الأسطع عليها شركة (سامكو) التي تعرّف أهالي بغداد على فضائحها في أواخر التسعينات، حيث جمع محتالون فيها مليارات الدنانير من الناس بقصد استثمارها. وكان مسؤولون في نظام الطغيان وراء العمليات التي جرى طمسها بصورة غامضة.
وتواصل هذا "التقليد" وتعمق في عهد ما بعد الاحتلال، حيث خلق "المحررون"، عبر تخبطهم المريع وسياساتهم المدمرة، ظروفاً استثنائية وفرت لاصحاب امتيازات وجماعات متطرفة وعصابات إجرامية، فضلاً عن قوى اقليمية، فرص نهب جديدة عبر الشركات الوهمية، التي يبرز بعضها وكالات من شركات عالمية معروفة تتم أعمال النصب باسمها. وساهم صراع المصالح في البلاد في العجز عن حل هذه المعضلة، كما هو الحال مع المعضلات المستعصية الأخرى. وعلى الرغم من تحذيرات مجلس الوزراء نفسه من ظاهرة هذه الشركات تستمر هذه الظاهرة وقد تستفحل.
وعلى أية حال فانه في سياق المعالجة التي يتعين على الحكومة القيام بها يرى خبراء ضرورة تحويل سوق الشركات الوهمية الى سوق قانونية منتظمة عبر إصدار سندات تمتص مدخرات المواطنين وتوظيفها في عملية التنمية الاقتصادية. كما أن على الحكومة توفير فرص لصغار المستثمرين وحمايتهم من الوقوع في مخالب الشركات الوهمية، فضلاً عن توفير ظروف للقطاع الخاص تشجعه على خلق فرص لتشغيل رؤوس الأموال.
* * *
"المحررون" الذي أسسوا في هذه البلاد، من بين بلايا لا تحصى، أشكالاً مبتكرة من النهب، تبدأ بسرقة مليارات الدولارات ولا تنتهي بصرف رواتب للألوف والألوف من الموظفين الوهميين تذهب الى جهات "بارعة" في النهب، هؤلاء "المحررون" هم المسؤولون عن الخراب الذي حلَّ بهذه البلاد، ذلك أنهم فتحوا الأبواب أمام رياح الدمار.
أما المبتلون بالمصائب فانهم يرون أمامهم، من بين مآسٍ أخرى تبدو بلا نهاية، عودة "سامكو" الى بلاد العجائب، حيث ينتشر النصابون وتشيع ثقافة الخراب، بينما يستمر صراع الامتيازات وتتفاقم معاناة الملايين من المحرومين.
Posted by abdullah at October 14, 2008 10:25 AM