August 31, 2005

البطالة آفة اجتماعية ... ومكافحتها ضرورية

هاشمية محسن حسين
رئيس النقابة العامة لعمال ومنتسبي الكهرباء في البصرة

إن ظاهرة البطالة ليست وليدة المرحلة التي أعقبت سقوط النظام ألبعثي المقبور بل عانى منها منذ الثمانينات وخصوصا شريحتي الشباب والنساء وان كانت في تلك الفترة فرص عمل فهي مختصرة على ما يسمى ( الواسطات , المحسوبيات والانحياز لطائفة معينة و..و.. الخ ) وقد تفاقمت هذه الظاهرة ( البطالة ) بعد انهيار النظام ألبعثي نتيجة للقرارات الخاطئة التي اتخذت من قبل سلطة الاحتلال والمتمثلة في حل عدد من مؤسسات الدولة كالجيش وقوات الشرطة والأمن وبعض الوزارات .
البطالة هي من اخطر الآفات الاجتماعية والاقتصادية حيث إن قوة العمل هي مصدر الثروة وفقدانه يتسبب في معانات إنسانية نتيجة العوز والفقر وتؤدي بالنهاية إلى تهميش دور المواطن الفاقد للعمل في المجتمع ويكون عرضة لالتفاف أصحاب الأفكار المتطرفة والمعادية للنهج الديمقراطي حوله , وقد تسوقه هذه الأفكار المتطرفة إلى مستنقع الإرهاب , فالمجتمع الذي تتفشى فيه البطالة يكون أرضا خصبة لوطأة أقدام الإرهابيين الذين تمولهم ذو إمكانيات عالية وتوظف هذه الإمكانيات لإغراء هؤلاء العاطلين وتجنيدهم في العمليات الإرهابية .
فمن هنا يصبح موضوع معالجة البطالة من اولويات الأمور وضرورة وضع اليد عليها ومعالجتها من قبل الحكومة من جهة ومؤسسات المجتمع المدني وبالتحديد النقابات من جهة أخرى وعلى كافة المسؤولين أن يبادروا بوضع الحلول الآنية لهذه الأزمة التي تطال أعداداً هائلة من المواطنين وبما إن غالبية العاطلين عن العمل هم من الشباب وهؤلاء أكثر عرضة وتأثيراً لإغراءات الانحراف في السلوك الاجتماعي لذا يتوجب على المسؤولين في الحكومة إيجاد الخطط من اجل زج هؤلاء الشباب في العمل . فعلى وزارة الدفاع أن تستعيد عافيتها وان تنظر في إمكانية طلب مواليد لأداء الخدمة الإلزامية ليتحقق جانبان مهمان الأول إعادة الثقة والولاء والانتماء للوطن من خلال التوجيهات والدروس التي تتبناها المؤسسات العسكرية والأخر انتشال هذه الفئة من الظروف القاسية ودفع رواتب لهم قادرة على أن تسهم بتحسين الوضع المعيشي لهم , أما قضية إعادة المفصولين السياسيين دون شك حلها يقضي على جزء من البطالة وان الأوان لهذه الفئة أن تأخذ دورها وحقها في الحياة الحرة الكريمة وتطبيق القرار 51 الصادر من مجلس الحكم السابق وإلزام مؤسسات الدولة بتطبيق بنوده . وثمة قضية تستحق الإشارة إليها وهي دعوة إلى كافة المسؤولين في دوائر الدولة الابتعاد عن المظاهر البراقة وشراء المكاتب الفاخرة الباهضة الثمن أو شراء مواد تعتبر من الكماليات لا ضرورة لها في ظروف البلد الحالية أو شراء وخزن كميات كبيرة من المواد الاحتياطية البطيئة الحركة وكل هذا أدى إلى صرف عشرات الملايين من الدولارات دون وجه حق ولو وفرت كل هذه الأموال لامكن الدولة توظيفها مشاريع تسهم في تشغيل أعداد غير قليلة من الشباب والنساء .
ويبقى أملنا في الحكومة الجديدة وفي مسعى كل الخيرين بان يسهموا بشكل فعال في مكافحة آفة البطالة لكونها بالنتيجة تؤثر في إشاعة الأمن والاستقرار في وطن الجميع .

Posted by abdullah at 09:51 AM

August 28, 2005

دستورنا الجديد .. وماذا نريد منه!

نوار أحمد
تمثل عملية كتابة الدستور الدائم للعراق , والتي شرعت بها الجمعية الوطنية الانتقالية , واحدة من اكبر التحديات التي تواجهها العملية السياسية الجارية في بلادنا . بل يمكن وصفها بانها معركة سياسية واجتماعية كبرى ستوقف على
مالها , ومدى نجاحها , مصير العراق ووحدته الوطنية ومستقبله السياسي على مدى عقود مقبلة .
ويرجع هذا الى ادراكنا الاهمية البالغة لصياغة هذا الدستور , ثم اقراره من الشعب بارادته الحرة , كونه عقدا اجتماعيا يمثل الحجر الاساسي لبناء دولة المؤسسات والقانون وحق المواطنة , التي يطمح اليها كل العراقيين , وليس الديمقراطيون وحدهم بعد عقود من القمع والارهاب الفاشي والدكتاتورية .
كما تكمن اهمية صياغة الدستور في كونه استحقاقا قانونيا حسب قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية . ويشكل انجازه بحلول 15 اب المقبل , ثم طرحه بعد شهرين للاستفتاء العام ( بحلول 15 اكتوبر القادم ) , حلقة حاسمة في العملية السياسية الجارية , اذ انه يهيىء الارضية لاجراء الانتخابات الدستورية بحلول نهاية العام , تنتهي بذلك المرحلة الانتقالية ويستعيد العراق سيادته الوطنية الكاملة وفقا للشرعية الدولية المتمثلة بقرار مجلس الامن 1546 .

لذا فان النجاح في انجاز الدستور الدائم يعني الكثير ,ويشكل شرطا اساسيا لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال الوطني والتعجيل بانهاء الاحتلال والوجود العسكري الاجنبي . بمعنى اخر انها خطوة بالغة الاهمية للتقدم بثبات على انهاء الوضع الستثنائي الذي يعيشه العراق منذ انهيار نظام صدام حسين في 9 نيسان 2003 , اثر الحرب وما اعقبها من احتلال وتداعيات سياسية , ثم تسليم السلطة الى حكومة مؤقتة , قبل عام من الان , في 28 / حزيران / 2004 لتبدا بذلك المرحلة الانتقالية واستحقاقاتها .
كتابة الدستور اذا خطوة مهمة على طريق انهاء تركة الماضي الثقيل , تركة الدكتاتورية وايضا تركة الاحتلال , وفتح افاق لبناء عراق حر ومستقل ديمقراطي فيدرالي موحد . وهي ( أي انجاز الدستور الدائم ) لا تقل اهمية عن الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني الماضي وكانت حدثا تاريخيا كبيرا رغم ما رافقها من تجاوزات وخروقات , لانها كانت تعبر عن توق شعبنا الى الديمقراطية والخلاص ( والى الابد ) من عهود القهر والاستبداد .
ومن الطبيعي ان يدور صراع ( على صعيد المجتمع كله ) على صياغة الدستور الدائم ... فهو بالجوهر صراع افكار , وصراع على مستقبل العراق السياسي .
ان ما نريده نحن الديمقراطيون تحقيقه هو اقامة الديمقراطية العصرية ... دولة المؤسسات والقانون التي تعتمد مبدا حق المواطنة والمساواة بين المواطنيين بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية او المعتقد او العرق او الجنس او اللون , دولة تستمد السلطة من الشعب وتعبر عن ارادته وتحترم حرياته , المدنية والسياسية والخاصة والعامة .
نريد من الدستور الجديد ان يوفر فرص عمل لكل عراقي , دون اللجؤ الى المحاصصة الحزبية الضيقة , ويضمن حقوق العمال والموظفين والحرفيين والكسبة , ويسن قانونا للتقاعد والضمان الاجتماعي يضمن فيه حقوق العجزة والارامل وكبار السن الذين ارهقتهم السنين وجلاوزة النظام البائد والعمل بالمثل بالنسبة للمتقاعدين ومساواتهم بالراتب التقاعدي لاعضاء مجلس الحكم والمسؤولين السابقين والذي ينص على 80 % من الراتب الكلي . نريد دستورا يضمن للمراة حقوقها الكاملة , ويمنحها حريتها السياسية والاقتصادية ويعوض لها سنين العوز والفقر والفاقة والحرمان من الزوج , والاخ , الحبيب , والاب , نطالب بدستور يرعى شبيبتنا ويمنحهم القوة والقدرة لقيادة المجتمع . وزرع روح الابداع والتقدم العلمي في نفوسهم , بدلا من زرع امراض قديمة وحواجز كثيرة .
نناضل لدستور يضمن رعاية اطفالنا ويوفر حياة حرة وكريمة , وان يعامل جميع اطفالنا بالمثل .. وان يوفر لابن الريف مثلما لابن المدينة ولابن العامل مثلما يوفر لابن الوزير .. من وسائل العلم والتعليم والرعاية الكاملة .
نطالب بقوة ان يكون الدستور القادم قوي وحازم امام قوى الارهاب والجريمة بكل انواعها . وان يلزم الوزارات والمؤسسات بالابتعاد عن التكتلات الحزبية الضيقة والطائفية , والعمل تحت علم العراق ولاجل العراق .
وان يلزم الوزارات بالمساهمة الجادة في مكافحة البطالة والفساد الاداري والمساهمة لحل ازمة السكن , وذلك من خلال بناء مجمعات سكنية منفصلة لكل وزارة وعلى شكل عمودي ولتسهم بعض الشيء في حل هذه الازمة الكبيرة ..
يجب ان يكون الدستور الجديد .. داعما ومواجها للاقتصاد العراقي .وراعيا حنونا للصناعات الوطنية , والتي تلاشت بسبب انفتاح السوق المحلي بالاجهزة المستوردة الرديئة , وبكل ما تحتاجه العائلة .
نطالب بان يولي الدستور الجديد رعاية خاصة للمناطق والمدن والقصبات التي تعرضت الى بطش ووحشية النظام الدكتاتوري المنهزم .. مثل الاهوار والمناطق الجنوبية والكردستانية .. والاهتمام بالثروة النفطية وعدم اهدارها وخصخصتها لانها امانة تاريخية في رقاب الجميع .. والاهتمام بالزراعة والسياحة وتشجيع الفلاحين للعودة الى اراضيهم .. وتوفير المكائن والمعدات والحبوب لهم وتوفير كل ما تحتاجه المزارع في محاولة الى الاكتفاء الذاتي ..
على الدستور الجديد ان يشجع رؤوس الاموال في الداخل والخارج للاستثمار داخل العراق لاحتواء الايدي العاطلة اولا ..وتسريع العملية التنموية ثانيا وفق مصلحة بلدنا .
على الدستور ان يرعى الاعلام والثقافة التقدمية ويجنبها سلطة الدولة . وان يرعى ادباءنا ومثقفينا وشعراءنا . وان يكون ملبيا لكل اطياف شعبنا , وجامعا لطوائفه واديانه وقومياته , وان يكون منفتحا شفافا يسمو بنا فوق الطائفية والقومية والمحاصصات الحزبية الضيقة .. ويحترم فيه الانسان , بغض النظر عن قوميته وطائفته ودينه وولائه السياسي , ويضمن حرية الفرد ويصون كرامته .

Posted by abdullah at 11:07 AM

August 27, 2005

في استشراء العنف الأصولي

في استشراء العنف الأصولي
فالح عبدالجبار - 24/07/05//
بدا مشهد الدم في محطات المترو في قلب لندن (كنغز كروس – يوستن، آلدغيت، ليفربول واجوار رود) تكراراً مصغراً للتفجيرات المتكررة في العراق ولبنان، أو مدريد وباريس. وحين نتذكر التفجيرات المماثلة في مصر أو السعودية، أو باكستان وماليزيا، وأندونيسيا، نجد ان القائمة تطول.
ثمة اخطبوط شبحي يمد أذرعه في زوايا المعمورة، معلناً عن نفسه باسم ايديولوجيا «سامية»، تقرر، بداهة، حق الحياة والموت، والرائح والغادي، ملغية العالم كله باعتباره الشر المطلق، بازائها هي بوصفها الخير المطلق.
استقبل بعضنا نحن ا لعرب هذا الحدث بإشهار الغضب على التفجير، والعطف على الضحايا المدنيين، باعتبار ان لندن هي أكثر المدن عطفاً على قضايانا. (المضمر في هذا القول: لا ضير من استهداف المدن التي لا تبدي مثل هذا العطف!).
ومال بعضنا الى ابداء التشفي تحت يافطة ان هذا القتل الجمعي، البربري بكل المقاييس، شبيه بعنف الدولة (الغربية طبعاً)، فاتحين الباب على مصراعيه أمام تعميم العنف وسيلة مثلى للسياسة. وعمد بعضنا الآخر الى تحميل الضحية أوزار العنف، على قاعدة الفعل ورد الفعل، وبالذات ان تفجيرات لندن هي رد اسلامي على مساهمة بريطانيا في احتلال العراق، علماً ان جلّ العراقيين، وهم أصحاب القضية قبل غيرهم، يرون في بناء القوى الذاتية للجمهورية الخامسة، المشرعنة بصناديق الاقتراع (8.5 مليون ناخب) هي السبيل لخروج قوات الاحتلال.

أجد في الكثير من ردود الفعل العربية، وبخاصة «خبراء» الفضائيات في صناعة الكلام، اسرافاً في العاطفة، وإيغالاً في التبرير، وفقراً أخلاقياً، لابساً أسمال تحليل مهلهل.
نحن بازاء عنف ديني ما يني يتسع منذ عقدين. ففي 1980 لم تكن هناك سوى بضع منظمات دينية ميالة الى العنف. بعد عقد تقريباً نما العدد الى ثلاثين حركة عنف نصفها من اصول دينية. أما في 1995 فبلغ عدد الحركات الدينية العنيفة ستة وعشرين حركة جلها إسلامية.
ينبغي التنويه بأن كل الأديان ساهمت في هذا العنف. وان عدداً من الايديولوجيات الدنيوية قامت أيضاً مقام حاضنة لهذه البربرية الجديدة. إلا ان الحركات ذات المنشأ الاسلامي احتلت مركز الثقل في هذا الانقلاب. وتؤلف القضايا التي تشكل المهماز المحفز لهذا العنف تؤلف تشكيلة واسعة، تبدو متنافرة: فثمة قضايا ذات طابع قومي (فلسطين) ونزاعات حدودية – دينية (كشمير)، وقضايا أقليات (مسلمة) تعارض التهميش السياسي (الشيشان، البوسنة، الفيليبين، الصين)، وثمة حركات احتجاج على حكومات استبدادية أو اصلاحية، وثمة عنف طائفي (سني أو شيعي في الباكستان وغيرها)، وثمة أصولية ثقافية، تعارض الانفتاح، مثلما تعارض السياحة، والانترنت، وما شاكل، وثمة أصولية فكرية غارقة في عبادة ماض مثالي، مجرد في الخيال من كل شائبة، وثمة رُهاب من كل ما هو غريب وأجنبي، وثمة، وثمة...
في وسع هذه القائمة ان تطول، وان تتداخل عناصرها تداخلاً غريباً ينتج لنا توليفة من مصادر تكوين أصوليّ العصر الحديث: سفاح يضع قدماً في الماضي وقدماً في الحاضر، تائهاً بين عالم يمضي بسرعة جنونية قدماً، وأوطان ما تني تبتعد في أفكارها وقيمها عن ملامسة الحاضر.
يبغض هذا السفاح المرأة، ويرتعد من كل وسائل الاتصال الحديثة (التلفزيون، الانترنت، السينما)، ويصاب بالدوار والغثيان لدى سماع الموسيقى، ويفزع من أي تلاقٍ بين الجنسين، ولا يطيق مناقشة أو رأياً في تراثه، أو في تفسيره لهذا التراث. وعلى رغم انه غارق حتى أذنيه في كل منتجات الحضارة الحديثة، من ساعة اليد، الى النظارات الطبية، ومن الانترنت، الى الهاتف النقال، ومن السيارات، الى الصواريخ، ولا يكف عن استعمالها ليل نهار، فإنه يشجب الحضارة الحديثة باعتبارها صنماً. وهذا البكّاء على أطلال الماضي انما يخشى الحاضر. والماضي الذي يستدعيه الى الوجوه ملقياً بقداسته في وجه كل الخصوم، إنما هو وهمه الذاتي عن هذا الماضي.
ويجد هذا الايديولوجي القادم من كهوف العصر الحجري، أو من البوادي الفكرية القاحلة، فئات غاضبة، مهمشة، أو مثالية، في خدمته.
كان أسامة بن لادن، على قول أخيه يسلم، يبغض الراديو والتلفزيون ولا يسمح لأولاده بأي تماس مع هذه المخترعات. ولم يجد هذا الأصولي المنغلق خيراً من الأميين الأفغان، وثفالات المجتمعات العربية، جمهوراً لمواعظه الفارغة. انه شأن صنيعته الزرقاوي، رجل العودة الى الماضي، والمجتمع الذكوري المنغلق، والطهرية الفارغة. وأدعياء القداسة اولئك هم الابناء المحبطون للايديولوجيات الصحراوية، التي لم تجد من صحراء في عالم الحواضر سوى قفار أفغانستان، حيث 90 في المئة من السكان في البوادي، وحيث الخرافة، والانغلاق السرمدي. وتمد هذه الايديولوجيا اخطبوطها الى ما وراء هذه القفار بفضل الهجرة التي حملت الكثيرين الى شواطئ أوروبا التي ترفض تسليمهم الى حكومات بلدانهم استناداً الى قانون انساني يحظّر طرد اللاجئ الى موطنه ان كانت حياته في خطر.
لا مراء في ان الإعلام أسهم في صنع هذه الأصنام وتحولها الى نوع من «روبن هود». يمجد هؤلاء «القديسون الدمويون» العنف لخواء خطابهم، وهو عنف يفتك بالمسلمين قبل غيرهم. في العراق وحده بلغ ضحايا هذا العنف الأصولي من المدنيين زهاء 24 ألفاً. ونحن بالطبع ميالون الى البكاء من العنف ان طاولنا مباشرة، والتباكي عليه ان طال غيرنا.
وبالعودة الى الحركات الاسلامية العنيفة، نجد في خلائطها اربعة أنماط اساسية من الاسلام العنيف: ثمة الاسلام القومي (النزوع الى الاستقلال)، وثمة الاسلام الاجتماعي (الاحتجاج على التهميش والاقصاء) وثمة الاسلام الثقافي (المعادي للقيم الحديثة، للمرأة، للتلفزيون، للسينما) وثمة الاسلام الكوني المحارب الذي يرى وجوب خوض حرب الحضارات.
وعلى رغم ان هذه الأنماط تشترك في صفات عدة، إلا ان صنفها الأخير هو الأخطر عالمياً، في حين ان اصنافها الثلاثة الأولى هي الأعنف محلياً (في محيط العالم العربي – الإسلامي). ويعاني العراق من هذه الأصناف كلها مجتمعة، زائداً علاوات اخرى غير سارة.
ويرى هؤلاء في التدمير الوسيلة الوحيدة: بحرق دكان، أو نسف قطار، أو تدمير محطة كهرباء، أو قتل حلاق (لأنه يقص الشعر على الطريقة الغربية!) أو حرق محطة كهرباء، أو تدمير مسجد، وقتل أئمة صلاة.
ماذا يريد الاسلام الكوني المحارب الذي هاجم لندن وغيرها من عواصم غربية وعربية؟
ذات مرة قرأت وثيقة أصولية أدهشتني لشدة ما فيها من إيهام ذاتي ووضوح الغاية. تقول الوثيقة، الصادرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي إثر انسحابه من أفغانستان: الآن وبعد أن دحرنا (؟) الجناح الكافر من الحضارة الغربية، سنعمل على دحر جناحها الصليبي، وإقامة حكم الإسلام. يتوهم هذا البنّاء، الذي لا يعرف غير الهدم، انه هو الذي هزم الاتحاد السوفياتي، وهو موقن كل اليقين ان فرقته «الناجية» كفيلة بهزيمة العالم بأسره.
هناك تفسيرات عدة لهذه الحركات أغلبها ظرفي، يرتبط بهذا الحدث أو ذاك. والمشكلة، كما أظن، تكمن في توتر، بل قل فشل، المنطقة العربية – الاسلامية في الانتقال من عالم ما قبل الحديث، وتكمن أيضاً في التوترات الناجمة عن تطور الغرب، مثلما تكمن في العلاقة بينهما.
ان «الاسلام الكوني المحارب» يريد العودة بنا الى عصر الحروب الدينية التي استهلكت قرنين من جهود أوروبا في بناء نفسها. وأجد ان المسؤولية تثقل كاهلنا بالدرجة الأولى، فلا نزال في منزلة وسطى بين عالم التراث الغابر، وعالم الحضارة الذي ندخله منذ قرن على وجل.

Posted by abdullah at 01:46 PM

الدين والدولة في الصراع على دستور العراق

الدين والدولة في الصراع على دستور العراق
فالح عبد الجبار 07/08/05
يتشاغل العالم العربي بالمفرقعات، وينشغل العراقيون بالدستور، وسط محيط لا دستوري. وهذه المشاغل ليست سارة تماماً، وان كانت مهمة. ويدقق العراقيون على مواقع الانترنت وفي الصحافة المطبوعة أو الاعلام المرئي، في كل كلمة وفاصلة، بل يمحصون الاسماء أهي نكرة أم معرفة مشفوعة بـ (أل) التعريف. لم يبلغ الصراع على المعاني هذا القدر من الاتساع والتعقيد. وهو اصطراع المفاهيم الجديدة مع ثفالات (الثفالة تعني ما يترسخ في اسفل الكأس أو القنينة من بقايا) الفكر القديم.
استقبل العراقيون بعد جدب فكري حُظر اولى كلمات مثل العولمة، أو دراسة النظريات الاجتماعية، من المفاهيم الجديدة: الفيدرالية، التوافقية، اللامركزية، مثلما استقبلوا مسميات اثنيات واديان ومذاهب لم يألفوا تداولها منذ العهد الملكي (الايزيدية والصابئة والشبك، الخ).


ويتمحور الاستقطاب الفكري على ازواج عديدة من المتضادات: الاسلامية مقابل العلمانية، والمركزية مقابل اللامركزية، أو المركزية مقابل الفيدرالية، وهلمجرا.
وتتركز السجالات اكثر ما تتركز على العلاقة بين الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون الاسلام المصدر الوحيد للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟
باتت هذه القضية واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً، منذ صعود الاسلام السياسي في سبعينات القرن المنصرم. فالدساتير في البلدان العربية والمسلمة تورد بند «الاسلام دين الدولة» كتحصيل حاصل رغم ان جل دول العالم (140 دولة مثلاً) لا تورد ذكراً لدينها. ولم تحمل الدساتير العراقية منذ 1925 أي اشارة الى مصادر التشريع. لعل الاستثناء الوحيد هو دستور الجمهورية الثانية (عبدالسلام عارف 1964)، الذي تنص مادته الثالثة على ان «الاسلام دين الدولة والقاعدة الاساسية لدستورها». وكما نعلم ان هذه الجمهورية عرفت العراق بأنه دولة ديموقراطية (بلا انتخابات) واشتراكية (يحكمها العسكر)، وكانت اكثر الجمهوريات تعصباً بالمعنى الطائفي للكلمة، رغم اسرافها في الحديث عن الاسلام.
ويبدو لي ان اصرار ممثلي الاسلام السياسي المحافظين، على ادراج الاسلام (او الشريعة) مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة «ان التشريع لله وحده»، يشبه اصرار العسكر على تسمية جمهورياتهم الاسرية بـ»الاشتراكية» و»الشعبية». فهو ادعاء ايديولوجي بامتياز، نظراً لان تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق على غيرهم، وأي استثناء يعني ادعاء نوع من الالوهية غريب.
يخاف الاسلاميون المحافظون العلمانية باعتبارها انكاراً للاديان، وهذا خلط بالالحاد الفلسفي. فهذا الاخير انكار للدين جملة وتفصيلاً. اما العلمانية فليست مذهباً سياسياً بل موقف ودعوة الى تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، أو بالاحرى المؤسسات الدينية، تنظيم يرمي الى حماية الدين من غول الدولة، وتمييز المجال السياسي عن المجال الديني، أي الفصل على مبدأ الاختصاص.
ويميل قطاع من العلمانيين لأسباب وجيهة الى استخدام لفظ «الوضعية» أو «المدنية» بديلاً عن العلمانية، لما شاب هذه الاخيرة من ادران بسبب الجهل وسوء النية وتحاملات العوام.
ويضرب موقف العلمانيين أو الوضعيين (وأنا منهم) جــــــــذوره في منطق الدولة الحديثة، الذي يختلف عن النظام السياسي والاجتماعي مما ساد في الامبراطوريات المقدسة، حيث يقوم المركز (المخزن عند المغاربة) بجمع الخراج، وحمايـــة الثغور، وترك الجماعات المعزولة تعيش وفق شرائعها المتعددة، حيث تزدهر المذاهب والمدارس حتى داخل الدين الواحد نفسه.
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المجرد، وعلى دستور موحد، شامل، لكل الاجزاء، لا لجزء منفرد، وعلى تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية دون تمييز، واحترام حرية المعتقد، والعبادة، دون مساس بحرية الآخرين. معلوم ان ثمة فوارق كبيرة بين الاسلام كدين، والشريعة، أو بين الاسلام والفقه، ويخلط بعض الاسلاميين خلط عشواء بين هذه المفاهيم.
فالدين منظومة فكرية مركبة، وهو ايضاً مؤسسات تتولى انتاج المعرفة الدينية، كما ان مدارسه الفقهية بالغة التنوع، وتحديدها لمصادر الشريعة غاية في الاختلاف. ويمكن الحديث عن مكونات الدين الفكرية (أي دين) باعتبارها مؤلفة من علم الكلام (المختص بالذات الالهية وخلق الكون) والفقه السياسي (نظرية الامامة أو الخلافة)، فقه العبادات (الفرائض)، وفقه المعاملات (التجارية وعقود النكاح)، لم يعد لعلم الكلام من وجود، على رغم ثرائه الفلسفي. اما الفقه السياسي فان الحضارة الاسلامية عموماً ما عادت تنادي بالامامة في قريش، بينما تميل المدرسة الاصولية الشيعية الى نبذ اساسها القديم عن ان الامامة حكر على الامام الغائب، وان كل دولة في عهد الغيبة باطلة.
اما فقه العبادات فهو شأن لم تعمد دولة معاصرة الى المساس به، رغم ما ينطوي عليه هو الآخر من تباينات بتباين المدارس والمذاهب (من الآذان، الى الصلاة بسبل اليد أم كتفها، الى الزكاة وسبل دفعها، وما شاكل).
ولا يختلف فقه المعاملات (في شقه التجاري) عن ذلك. لقد نماهذا الفقه في حاضنة الاقتصاد الحرفي والزراعي القديم، وواجه مشكلة عصيبة في التكيف مع الاقتصاد الصناعي المالي(المصرفي)الحديث (مشكلة البنوك الحديثة والقروض والسندات والأسهم)، وان حرمانه من التطور يرجع الى تزمت بعض فقهاء القرن العشرين الذين ضحوا بسبب تزمتهم نفسه بكل جوانب الثراء في فقه المعاملات. مع ذلك يتكيف هذا الفقه عموما مع الاقتصاديات الحديثة ببطء
أخيرا ثمة فقه عقود النكاح، وقواعد تنظيم الأسرة. ولعلها أكثر مواضيع الخلاف والإختلاف إحتداما، وبخاصة مسألة تعدد الزوجات وحقوق الارث، وحضانة الأطفال. ليس سرا ان الفقهاء، بل المسلمين بعامة يتباينون في تأويل الشريعةهنا تباينا كبيرا، وينقسمون الى تيارات محافظة، ووسطية، وإصلاحية جذرية.هذا التباين في العناصر المكونة للفقه، يوازيه تباين آخر في مصادر الشريعة : أهي القرآن الكريم وحده، أم القرآن والسنة (كما يرى الاخرون، أم القرآن والسنة
والعقل( الإجتهاد ) حسب فهم رابع. والإجماع

حقاً ان فهم معنى الاسلام كمصدر للتشريع يتعدد بتعدد فهمنا لمعنى الشريعة ومصادرها، كما يتعدد بتعدد الاجتهادات داخل مكونات الفقه (الفقه السياسي، فقه العبادات، فقه المعاملات). وهذا التعدد الذي نما عبر تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، مفيد لجهة اغناء وتطور الفكر، ان قام على قاعدة احترام التعدد والاعتراف به، ومدمر تماماً ان مشي على ارضية احتكار جهة واحدة للحقيقة، وسيادة هذا الاحتكار حقيقة تفقأ العين.
ان الدعوة لفرض الاسلام (او الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع ينطوي ضمناً أو صراحة على حكم رجال الدين لتفسير معنى الاسلام، ووضع فئة واحدة لا تزيد عن بضعة آلاف موضع القيّم على تفكير الملايين، واحلال الاكليروس محل الأمة. وهذا جانب مهم بل اساس عند معالجة مسألة الدين والدولة. فالدين ليس محض منظومة اعتقاد وشرائع، بل هو ايضاً مؤسسات يديرها بشر فانون، لهم من المطامح والمصالح ما لغيرهم، ونظرة على طبقة رجال الدين، او المشتغلين بأمور الفقه، تفيدنا انها، شأن مجتمعها، مبرقشة من حيث منحدرها القبلي، والجهوي، والاثني، وانها تتوزع على المكونات الاجتماعية بين ريفيين محافظين، وحضريين متنورين، وان انتماءاتها الاجتماعية تتداخل بانتسابها الفقهي، والايديولوجي، وهي ليست منزهة عن الغرض البشري والمصالح الاجتماعية وان حصل انسلاخ عن هذا الغرض، فذلك يشكل الاستثناء لا القاعدة.
ونلاحظ ان مساعي «أسلمة» الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ«اسلمة» المجتمع، بفرض الحجاب (المرأة هي الهدف الاول دوماً)، وفصل الجنسين، بل تحريم المصافحة، وغلق دور السينما، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محلات بيع الاشرطة)، وغلق محلات حلاقة النساء، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال (اغتيل عشرات الحلاقين في بغداد وجوارها).
وبهذا تُختزل الأسلمة سياسياً الى احتكار الفقهاء و/أو الاسلاميين لحق الحكم تنفيذاً وتشريعاً، كما تُختزل اجتماعياً الى اختراق المجال الخاص للفرد، وفرض منظومة قيمية محددة (محافظة في الاغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك. عدا هذا لا يملك الاسلاميون برنامجاً. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذذون برمي بنات الحواضر السافرات بالحجارة، أو فئات هامشية عدوانية، محطمة روحياً بحكم العوز والاهمال، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طالبات الجامعة او تطلق النار على الحلاقين.
وباختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات التقليدية، اذ ينجذب الى هذه الحركة، في طور صعودها عدد من الراغبين في الافادة من فرص الصعود الاجتماعي.
وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب والاديان ومتنوعة في تنظيمها الاجتماعي والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية)، فانه يكون وصفة للخراب.

خلاصة:

- ينبغي الاعتراف بالاسلام مصدرا من مصادر التشريع، واكرر: الاسلام، وليس الشريعة، فالمعنى مختلف والمبنى مخالف.
- وينبغي ايضا التمسك بفقرة عدم تشريع ما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.
- وينبغي ايضا الابتعاد عن تخصيص اية فقرة عن المرجعية بدعوى وجوب حمايتها من تدخل الدولة. فالحاصل الآن هو ضرورة حماية الدولة من تدخل المراجع الدينية.
واذا كان لا بد من فقرة قانونية بهذا الصدد فالافضل ادراج مادة تشير الى الاحترام المتبادل، احترام الدولة لكل المراجع الدينية بلا استثناء (مسلمة ومسيحية وصابئية وغيرها)، واحترام المراجع للدستور والقوانين العامة التي يرضى بها الشعب باغلبيته المطلقة (الثلثين).
- وينبغي الالتفات الى موضوع المرأة، وبخاصة مسألة الحفاظ على قانون الاحوال الشخصية، بل والسعي الى تطويره، وتبصير دعاة الغائه بالعواقب.


Posted by abdullah at