هاشمية محسن حسين
رئيس النقابة العامة لعمال ومنتسبي الكهرباء في البصرة
إن ظاهرة البطالة ليست وليدة المرحلة التي أعقبت سقوط النظام ألبعثي المقبور بل عانى منها منذ الثمانينات وخصوصا شريحتي الشباب والنساء وان كانت في تلك الفترة فرص عمل فهي مختصرة على ما يسمى ( الواسطات , المحسوبيات والانحياز لطائفة معينة و..و.. الخ ) وقد تفاقمت هذه الظاهرة ( البطالة ) بعد انهيار النظام ألبعثي نتيجة للقرارات الخاطئة التي اتخذت من قبل سلطة الاحتلال والمتمثلة في حل عدد من مؤسسات الدولة كالجيش وقوات الشرطة والأمن وبعض الوزارات .
البطالة هي من اخطر الآفات الاجتماعية والاقتصادية حيث إن قوة العمل هي مصدر الثروة وفقدانه يتسبب في معانات إنسانية نتيجة العوز والفقر وتؤدي بالنهاية إلى تهميش دور المواطن الفاقد للعمل في المجتمع ويكون عرضة لالتفاف أصحاب الأفكار المتطرفة والمعادية للنهج الديمقراطي حوله , وقد تسوقه هذه الأفكار المتطرفة إلى مستنقع الإرهاب , فالمجتمع الذي تتفشى فيه البطالة يكون أرضا خصبة لوطأة أقدام الإرهابيين الذين تمولهم ذو إمكانيات عالية وتوظف هذه الإمكانيات لإغراء هؤلاء العاطلين وتجنيدهم في العمليات الإرهابية .
فمن هنا يصبح موضوع معالجة البطالة من اولويات الأمور وضرورة وضع اليد عليها ومعالجتها من قبل الحكومة من جهة ومؤسسات المجتمع المدني وبالتحديد النقابات من جهة أخرى وعلى كافة المسؤولين أن يبادروا بوضع الحلول الآنية لهذه الأزمة التي تطال أعداداً هائلة من المواطنين وبما إن غالبية العاطلين عن العمل هم من الشباب وهؤلاء أكثر عرضة وتأثيراً لإغراءات الانحراف في السلوك الاجتماعي لذا يتوجب على المسؤولين في الحكومة إيجاد الخطط من اجل زج هؤلاء الشباب في العمل . فعلى وزارة الدفاع أن تستعيد عافيتها وان تنظر في إمكانية طلب مواليد لأداء الخدمة الإلزامية ليتحقق جانبان مهمان الأول إعادة الثقة والولاء والانتماء للوطن من خلال التوجيهات والدروس التي تتبناها المؤسسات العسكرية والأخر انتشال هذه الفئة من الظروف القاسية ودفع رواتب لهم قادرة على أن تسهم بتحسين الوضع المعيشي لهم , أما قضية إعادة المفصولين السياسيين دون شك حلها يقضي على جزء من البطالة وان الأوان لهذه الفئة أن تأخذ دورها وحقها في الحياة الحرة الكريمة وتطبيق القرار 51 الصادر من مجلس الحكم السابق وإلزام مؤسسات الدولة بتطبيق بنوده . وثمة قضية تستحق الإشارة إليها وهي دعوة إلى كافة المسؤولين في دوائر الدولة الابتعاد عن المظاهر البراقة وشراء المكاتب الفاخرة الباهضة الثمن أو شراء مواد تعتبر من الكماليات لا ضرورة لها في ظروف البلد الحالية أو شراء وخزن كميات كبيرة من المواد الاحتياطية البطيئة الحركة وكل هذا أدى إلى صرف عشرات الملايين من الدولارات دون وجه حق ولو وفرت كل هذه الأموال لامكن الدولة توظيفها مشاريع تسهم في تشغيل أعداد غير قليلة من الشباب والنساء .
ويبقى أملنا في الحكومة الجديدة وفي مسعى كل الخيرين بان يسهموا بشكل فعال في مكافحة آفة البطالة لكونها بالنتيجة تؤثر في إشاعة الأمن والاستقرار في وطن الجميع .
نوار أحمد
تمثل عملية كتابة الدستور الدائم للعراق , والتي شرعت بها الجمعية الوطنية الانتقالية , واحدة من اكبر التحديات التي تواجهها العملية السياسية الجارية في بلادنا . بل يمكن وصفها بانها معركة سياسية واجتماعية كبرى ستوقف على
مالها , ومدى نجاحها , مصير العراق ووحدته الوطنية ومستقبله السياسي على مدى عقود مقبلة .
ويرجع هذا الى ادراكنا الاهمية البالغة لصياغة هذا الدستور , ثم اقراره من الشعب بارادته الحرة , كونه عقدا اجتماعيا يمثل الحجر الاساسي لبناء دولة المؤسسات والقانون وحق المواطنة , التي يطمح اليها كل العراقيين , وليس الديمقراطيون وحدهم بعد عقود من القمع والارهاب الفاشي والدكتاتورية .
كما تكمن اهمية صياغة الدستور في كونه استحقاقا قانونيا حسب قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية . ويشكل انجازه بحلول 15 اب المقبل , ثم طرحه بعد شهرين للاستفتاء العام ( بحلول 15 اكتوبر القادم ) , حلقة حاسمة في العملية السياسية الجارية , اذ انه يهيىء الارضية لاجراء الانتخابات الدستورية بحلول نهاية العام , تنتهي بذلك المرحلة الانتقالية ويستعيد العراق سيادته الوطنية الكاملة وفقا للشرعية الدولية المتمثلة بقرار مجلس الامن 1546 .
لذا فان النجاح في انجاز الدستور الدائم يعني الكثير ,ويشكل شرطا اساسيا لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال الوطني والتعجيل بانهاء الاحتلال والوجود العسكري الاجنبي . بمعنى اخر انها خطوة بالغة الاهمية للتقدم بثبات على انهاء الوضع الستثنائي الذي يعيشه العراق منذ انهيار نظام صدام حسين في 9 نيسان 2003 , اثر الحرب وما اعقبها من احتلال وتداعيات سياسية , ثم تسليم السلطة الى حكومة مؤقتة , قبل عام من الان , في 28 / حزيران / 2004 لتبدا بذلك المرحلة الانتقالية واستحقاقاتها .
كتابة الدستور اذا خطوة مهمة على طريق انهاء تركة الماضي الثقيل , تركة الدكتاتورية وايضا تركة الاحتلال , وفتح افاق لبناء عراق حر ومستقل ديمقراطي فيدرالي موحد . وهي ( أي انجاز الدستور الدائم ) لا تقل اهمية عن الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني الماضي وكانت حدثا تاريخيا كبيرا رغم ما رافقها من تجاوزات وخروقات , لانها كانت تعبر عن توق شعبنا الى الديمقراطية والخلاص ( والى الابد ) من عهود القهر والاستبداد .
ومن الطبيعي ان يدور صراع ( على صعيد المجتمع كله ) على صياغة الدستور الدائم ... فهو بالجوهر صراع افكار , وصراع على مستقبل العراق السياسي .
ان ما نريده نحن الديمقراطيون تحقيقه هو اقامة الديمقراطية العصرية ... دولة المؤسسات والقانون التي تعتمد مبدا حق المواطنة والمساواة بين المواطنيين بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية او المعتقد او العرق او الجنس او اللون , دولة تستمد السلطة من الشعب وتعبر عن ارادته وتحترم حرياته , المدنية والسياسية والخاصة والعامة .
نريد من الدستور الجديد ان يوفر فرص عمل لكل عراقي , دون اللجؤ الى المحاصصة الحزبية الضيقة , ويضمن حقوق العمال والموظفين والحرفيين والكسبة , ويسن قانونا للتقاعد والضمان الاجتماعي يضمن فيه حقوق العجزة والارامل وكبار السن الذين ارهقتهم السنين وجلاوزة النظام البائد والعمل بالمثل بالنسبة للمتقاعدين ومساواتهم بالراتب التقاعدي لاعضاء مجلس الحكم والمسؤولين السابقين والذي ينص على 80 % من الراتب الكلي . نريد دستورا يضمن للمراة حقوقها الكاملة , ويمنحها حريتها السياسية والاقتصادية ويعوض لها سنين العوز والفقر والفاقة والحرمان من الزوج , والاخ , الحبيب , والاب , نطالب بدستور يرعى شبيبتنا ويمنحهم القوة والقدرة لقيادة المجتمع . وزرع روح الابداع والتقدم العلمي في نفوسهم , بدلا من زرع امراض قديمة وحواجز كثيرة .
نناضل لدستور يضمن رعاية اطفالنا ويوفر حياة حرة وكريمة , وان يعامل جميع اطفالنا بالمثل .. وان يوفر لابن الريف مثلما لابن المدينة ولابن العامل مثلما يوفر لابن الوزير .. من وسائل العلم والتعليم والرعاية الكاملة .
نطالب بقوة ان يكون الدستور القادم قوي وحازم امام قوى الارهاب والجريمة بكل انواعها . وان يلزم الوزارات والمؤسسات بالابتعاد عن التكتلات الحزبية الضيقة والطائفية , والعمل تحت علم العراق ولاجل العراق .
وان يلزم الوزارات بالمساهمة الجادة في مكافحة البطالة والفساد الاداري والمساهمة لحل ازمة السكن , وذلك من خلال بناء مجمعات سكنية منفصلة لكل وزارة وعلى شكل عمودي ولتسهم بعض الشيء في حل هذه الازمة الكبيرة ..
يجب ان يكون الدستور الجديد .. داعما ومواجها للاقتصاد العراقي .وراعيا حنونا للصناعات الوطنية , والتي تلاشت بسبب انفتاح السوق المحلي بالاجهزة المستوردة الرديئة , وبكل ما تحتاجه العائلة .
نطالب بان يولي الدستور الجديد رعاية خاصة للمناطق والمدن والقصبات التي تعرضت الى بطش ووحشية النظام الدكتاتوري المنهزم .. مثل الاهوار والمناطق الجنوبية والكردستانية .. والاهتمام بالثروة النفطية وعدم اهدارها وخصخصتها لانها امانة تاريخية في رقاب الجميع .. والاهتمام بالزراعة والسياحة وتشجيع الفلاحين للعودة الى اراضيهم .. وتوفير المكائن والمعدات والحبوب لهم وتوفير كل ما تحتاجه المزارع في محاولة الى الاكتفاء الذاتي ..
على الدستور الجديد ان يشجع رؤوس الاموال في الداخل والخارج للاستثمار داخل العراق لاحتواء الايدي العاطلة اولا ..وتسريع العملية التنموية ثانيا وفق مصلحة بلدنا .
على الدستور ان يرعى الاعلام والثقافة التقدمية ويجنبها سلطة الدولة . وان يرعى ادباءنا ومثقفينا وشعراءنا . وان يكون ملبيا لكل اطياف شعبنا , وجامعا لطوائفه واديانه وقومياته , وان يكون منفتحا شفافا يسمو بنا فوق الطائفية والقومية والمحاصصات الحزبية الضيقة .. ويحترم فيه الانسان , بغض النظر عن قوميته وطائفته ودينه وولائه السياسي , ويضمن حرية الفرد ويصون كرامته .
في استشراء العنف الأصولي
فالح عبدالجبار - 24/07/05//
بدا مشهد الدم في محطات المترو في قلب لندن (كنغز كروس – يوستن، آلدغيت، ليفربول واجوار رود) تكراراً مصغراً للتفجيرات المتكررة في العراق ولبنان، أو مدريد وباريس. وحين نتذكر التفجيرات المماثلة في مصر أو السعودية، أو باكستان وماليزيا، وأندونيسيا، نجد ان القائمة تطول.
ثمة اخطبوط شبحي يمد أذرعه في زوايا المعمورة، معلناً عن نفسه باسم ايديولوجيا «سامية»، تقرر، بداهة، حق الحياة والموت، والرائح والغادي، ملغية العالم كله باعتباره الشر المطلق، بازائها هي بوصفها الخير المطلق.
استقبل بعضنا نحن ا لعرب هذا الحدث بإشهار الغضب على التفجير، والعطف على الضحايا المدنيين، باعتبار ان لندن هي أكثر المدن عطفاً على قضايانا. (المضمر في هذا القول: لا ضير من استهداف المدن التي لا تبدي مثل هذا العطف!).
ومال بعضنا الى ابداء التشفي تحت يافطة ان هذا القتل الجمعي، البربري بكل المقاييس، شبيه بعنف الدولة (الغربية طبعاً)، فاتحين الباب على مصراعيه أمام تعميم العنف وسيلة مثلى للسياسة. وعمد بعضنا الآخر الى تحميل الضحية أوزار العنف، على قاعدة الفعل ورد الفعل، وبالذات ان تفجيرات لندن هي رد اسلامي على مساهمة بريطانيا في احتلال العراق، علماً ان جلّ العراقيين، وهم أصحاب القضية قبل غيرهم، يرون في بناء القوى الذاتية للجمهورية الخامسة، المشرعنة بصناديق الاقتراع (8.5 مليون ناخب) هي السبيل لخروج قوات الاحتلال.
أجد في الكثير من ردود الفعل العربية، وبخاصة «خبراء» الفضائيات في صناعة الكلام، اسرافاً في العاطفة، وإيغالاً في التبرير، وفقراً أخلاقياً، لابساً أسمال تحليل مهلهل.
نحن بازاء عنف ديني ما يني يتسع منذ عقدين. ففي 1980 لم تكن هناك سوى بضع منظمات دينية ميالة الى العنف. بعد عقد تقريباً نما العدد الى ثلاثين حركة عنف نصفها من اصول دينية. أما في 1995 فبلغ عدد الحركات الدينية العنيفة ستة وعشرين حركة جلها إسلامية.
ينبغي التنويه بأن كل الأديان ساهمت في هذا العنف. وان عدداً من الايديولوجيات الدنيوية قامت أيضاً مقام حاضنة لهذه البربرية الجديدة. إلا ان الحركات ذات المنشأ الاسلامي احتلت مركز الثقل في هذا الانقلاب. وتؤلف القضايا التي تشكل المهماز المحفز لهذا العنف تؤلف تشكيلة واسعة، تبدو متنافرة: فثمة قضايا ذات طابع قومي (فلسطين) ونزاعات حدودية – دينية (كشمير)، وقضايا أقليات (مسلمة) تعارض التهميش السياسي (الشيشان، البوسنة، الفيليبين، الصين)، وثمة حركات احتجاج على حكومات استبدادية أو اصلاحية، وثمة عنف طائفي (سني أو شيعي في الباكستان وغيرها)، وثمة أصولية ثقافية، تعارض الانفتاح، مثلما تعارض السياحة، والانترنت، وما شاكل، وثمة أصولية فكرية غارقة في عبادة ماض مثالي، مجرد في الخيال من كل شائبة، وثمة رُهاب من كل ما هو غريب وأجنبي، وثمة، وثمة...
في وسع هذه القائمة ان تطول، وان تتداخل عناصرها تداخلاً غريباً ينتج لنا توليفة من مصادر تكوين أصوليّ العصر الحديث: سفاح يضع قدماً في الماضي وقدماً في الحاضر، تائهاً بين عالم يمضي بسرعة جنونية قدماً، وأوطان ما تني تبتعد في أفكارها وقيمها عن ملامسة الحاضر.
يبغض هذا السفاح المرأة، ويرتعد من كل وسائل الاتصال الحديثة (التلفزيون، الانترنت، السينما)، ويصاب بالدوار والغثيان لدى سماع الموسيقى، ويفزع من أي تلاقٍ بين الجنسين، ولا يطيق مناقشة أو رأياً في تراثه، أو في تفسيره لهذا التراث. وعلى رغم انه غارق حتى أذنيه في كل منتجات الحضارة الحديثة، من ساعة اليد، الى النظارات الطبية، ومن الانترنت، الى الهاتف النقال، ومن السيارات، الى الصواريخ، ولا يكف عن استعمالها ليل نهار، فإنه يشجب الحضارة الحديثة باعتبارها صنماً. وهذا البكّاء على أطلال الماضي انما يخشى الحاضر. والماضي الذي يستدعيه الى الوجوه ملقياً بقداسته في وجه كل الخصوم، إنما هو وهمه الذاتي عن هذا الماضي.
ويجد هذا الايديولوجي القادم من كهوف العصر الحجري، أو من البوادي الفكرية القاحلة، فئات غاضبة، مهمشة، أو مثالية، في خدمته.
كان أسامة بن لادن، على قول أخيه يسلم، يبغض الراديو والتلفزيون ولا يسمح لأولاده بأي تماس مع هذه المخترعات. ولم يجد هذا الأصولي المنغلق خيراً من الأميين الأفغان، وثفالات المجتمعات العربية، جمهوراً لمواعظه الفارغة. انه شأن صنيعته الزرقاوي، رجل العودة الى الماضي، والمجتمع الذكوري المنغلق، والطهرية الفارغة. وأدعياء القداسة اولئك هم الابناء المحبطون للايديولوجيات الصحراوية، التي لم تجد من صحراء في عالم الحواضر سوى قفار أفغانستان، حيث 90 في المئة من السكان في البوادي، وحيث الخرافة، والانغلاق السرمدي. وتمد هذه الايديولوجيا اخطبوطها الى ما وراء هذه القفار بفضل الهجرة التي حملت الكثيرين الى شواطئ أوروبا التي ترفض تسليمهم الى حكومات بلدانهم استناداً الى قانون انساني يحظّر طرد اللاجئ الى موطنه ان كانت حياته في خطر.
لا مراء في ان الإعلام أسهم في صنع هذه الأصنام وتحولها الى نوع من «روبن هود». يمجد هؤلاء «القديسون الدمويون» العنف لخواء خطابهم، وهو عنف يفتك بالمسلمين قبل غيرهم. في العراق وحده بلغ ضحايا هذا العنف الأصولي من المدنيين زهاء 24 ألفاً. ونحن بالطبع ميالون الى البكاء من العنف ان طاولنا مباشرة، والتباكي عليه ان طال غيرنا.
وبالعودة الى الحركات الاسلامية العنيفة، نجد في خلائطها اربعة أنماط اساسية من الاسلام العنيف: ثمة الاسلام القومي (النزوع الى الاستقلال)، وثمة الاسلام الاجتماعي (الاحتجاج على التهميش والاقصاء) وثمة الاسلام الثقافي (المعادي للقيم الحديثة، للمرأة، للتلفزيون، للسينما) وثمة الاسلام الكوني المحارب الذي يرى وجوب خوض حرب الحضارات.
وعلى رغم ان هذه الأنماط تشترك في صفات عدة، إلا ان صنفها الأخير هو الأخطر عالمياً، في حين ان اصنافها الثلاثة الأولى هي الأعنف محلياً (في محيط العالم العربي – الإسلامي). ويعاني العراق من هذه الأصناف كلها مجتمعة، زائداً علاوات اخرى غير سارة.
ويرى هؤلاء في التدمير الوسيلة الوحيدة: بحرق دكان، أو نسف قطار، أو تدمير محطة كهرباء، أو قتل حلاق (لأنه يقص الشعر على الطريقة الغربية!) أو حرق محطة كهرباء، أو تدمير مسجد، وقتل أئمة صلاة.
ماذا يريد الاسلام الكوني المحارب الذي هاجم لندن وغيرها من عواصم غربية وعربية؟
ذات مرة قرأت وثيقة أصولية أدهشتني لشدة ما فيها من إيهام ذاتي ووضوح الغاية. تقول الوثيقة، الصادرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي إثر انسحابه من أفغانستان: الآن وبعد أن دحرنا (؟) الجناح الكافر من الحضارة الغربية، سنعمل على دحر جناحها الصليبي، وإقامة حكم الإسلام. يتوهم هذا البنّاء، الذي لا يعرف غير الهدم، انه هو الذي هزم الاتحاد السوفياتي، وهو موقن كل اليقين ان فرقته «الناجية» كفيلة بهزيمة العالم بأسره.
هناك تفسيرات عدة لهذه الحركات أغلبها ظرفي، يرتبط بهذا الحدث أو ذاك. والمشكلة، كما أظن، تكمن في توتر، بل قل فشل، المنطقة العربية – الاسلامية في الانتقال من عالم ما قبل الحديث، وتكمن أيضاً في التوترات الناجمة عن تطور الغرب، مثلما تكمن في العلاقة بينهما.
ان «الاسلام الكوني المحارب» يريد العودة بنا الى عصر الحروب الدينية التي استهلكت قرنين من جهود أوروبا في بناء نفسها. وأجد ان المسؤولية تثقل كاهلنا بالدرجة الأولى، فلا نزال في منزلة وسطى بين عالم التراث الغابر، وعالم الحضارة الذي ندخله منذ قرن على وجل.
الدين والدولة في الصراع على دستور العراق
فالح عبد الجبار 07/08/05
يتشاغل العالم العربي بالمفرقعات، وينشغل العراقيون بالدستور، وسط محيط لا دستوري. وهذه المشاغل ليست سارة تماماً، وان كانت مهمة. ويدقق العراقيون على مواقع الانترنت وفي الصحافة المطبوعة أو الاعلام المرئي، في كل كلمة وفاصلة، بل يمحصون الاسماء أهي نكرة أم معرفة مشفوعة بـ (أل) التعريف. لم يبلغ الصراع على المعاني هذا القدر من الاتساع والتعقيد. وهو اصطراع المفاهيم الجديدة مع ثفالات (الثفالة تعني ما يترسخ في اسفل الكأس أو القنينة من بقايا) الفكر القديم.
استقبل العراقيون بعد جدب فكري حُظر اولى كلمات مثل العولمة، أو دراسة النظريات الاجتماعية، من المفاهيم الجديدة: الفيدرالية، التوافقية، اللامركزية، مثلما استقبلوا مسميات اثنيات واديان ومذاهب لم يألفوا تداولها منذ العهد الملكي (الايزيدية والصابئة والشبك، الخ).
ويتمحور الاستقطاب الفكري على ازواج عديدة من المتضادات: الاسلامية مقابل العلمانية، والمركزية مقابل اللامركزية، أو المركزية مقابل الفيدرالية، وهلمجرا.
وتتركز السجالات اكثر ما تتركز على العلاقة بين الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون الاسلام المصدر الوحيد للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟
باتت هذه القضية واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً، منذ صعود الاسلام السياسي في سبعينات القرن المنصرم. فالدساتير في البلدان العربية والمسلمة تورد بند «الاسلام دين الدولة» كتحصيل حاصل رغم ان جل دول العالم (140 دولة مثلاً) لا تورد ذكراً لدينها. ولم تحمل الدساتير العراقية منذ 1925 أي اشارة الى مصادر التشريع. لعل الاستثناء الوحيد هو دستور الجمهورية الثانية (عبدالسلام عارف 1964)، الذي تنص مادته الثالثة على ان «الاسلام دين الدولة والقاعدة الاساسية لدستورها». وكما نعلم ان هذه الجمهورية عرفت العراق بأنه دولة ديموقراطية (بلا انتخابات) واشتراكية (يحكمها العسكر)، وكانت اكثر الجمهوريات تعصباً بالمعنى الطائفي للكلمة، رغم اسرافها في الحديث عن الاسلام.
ويبدو لي ان اصرار ممثلي الاسلام السياسي المحافظين، على ادراج الاسلام (او الشريعة) مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة «ان التشريع لله وحده»، يشبه اصرار العسكر على تسمية جمهورياتهم الاسرية بـ»الاشتراكية» و»الشعبية». فهو ادعاء ايديولوجي بامتياز، نظراً لان تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق على غيرهم، وأي استثناء يعني ادعاء نوع من الالوهية غريب.
يخاف الاسلاميون المحافظون العلمانية باعتبارها انكاراً للاديان، وهذا خلط بالالحاد الفلسفي. فهذا الاخير انكار للدين جملة وتفصيلاً. اما العلمانية فليست مذهباً سياسياً بل موقف ودعوة الى تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، أو بالاحرى المؤسسات الدينية، تنظيم يرمي الى حماية الدين من غول الدولة، وتمييز المجال السياسي عن المجال الديني، أي الفصل على مبدأ الاختصاص.
ويميل قطاع من العلمانيين لأسباب وجيهة الى استخدام لفظ «الوضعية» أو «المدنية» بديلاً عن العلمانية، لما شاب هذه الاخيرة من ادران بسبب الجهل وسوء النية وتحاملات العوام.
ويضرب موقف العلمانيين أو الوضعيين (وأنا منهم) جــــــــذوره في منطق الدولة الحديثة، الذي يختلف عن النظام السياسي والاجتماعي مما ساد في الامبراطوريات المقدسة، حيث يقوم المركز (المخزن عند المغاربة) بجمع الخراج، وحمايـــة الثغور، وترك الجماعات المعزولة تعيش وفق شرائعها المتعددة، حيث تزدهر المذاهب والمدارس حتى داخل الدين الواحد نفسه.
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المجرد، وعلى دستور موحد، شامل، لكل الاجزاء، لا لجزء منفرد، وعلى تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية دون تمييز، واحترام حرية المعتقد، والعبادة، دون مساس بحرية الآخرين. معلوم ان ثمة فوارق كبيرة بين الاسلام كدين، والشريعة، أو بين الاسلام والفقه، ويخلط بعض الاسلاميين خلط عشواء بين هذه المفاهيم.
فالدين منظومة فكرية مركبة، وهو ايضاً مؤسسات تتولى انتاج المعرفة الدينية، كما ان مدارسه الفقهية بالغة التنوع، وتحديدها لمصادر الشريعة غاية في الاختلاف. ويمكن الحديث عن مكونات الدين الفكرية (أي دين) باعتبارها مؤلفة من علم الكلام (المختص بالذات الالهية وخلق الكون) والفقه السياسي (نظرية الامامة أو الخلافة)، فقه العبادات (الفرائض)، وفقه المعاملات (التجارية وعقود النكاح)، لم يعد لعلم الكلام من وجود، على رغم ثرائه الفلسفي. اما الفقه السياسي فان الحضارة الاسلامية عموماً ما عادت تنادي بالامامة في قريش، بينما تميل المدرسة الاصولية الشيعية الى نبذ اساسها القديم عن ان الامامة حكر على الامام الغائب، وان كل دولة في عهد الغيبة باطلة.
اما فقه العبادات فهو شأن لم تعمد دولة معاصرة الى المساس به، رغم ما ينطوي عليه هو الآخر من تباينات بتباين المدارس والمذاهب (من الآذان، الى الصلاة بسبل اليد أم كتفها، الى الزكاة وسبل دفعها، وما شاكل).
ولا يختلف فقه المعاملات (في شقه التجاري) عن ذلك. لقد نماهذا الفقه في حاضنة الاقتصاد الحرفي والزراعي القديم، وواجه مشكلة عصيبة في التكيف مع الاقتصاد الصناعي المالي(المصرفي)الحديث (مشكلة البنوك الحديثة والقروض والسندات والأسهم)، وان حرمانه من التطور يرجع الى تزمت بعض فقهاء القرن العشرين الذين ضحوا بسبب تزمتهم نفسه بكل جوانب الثراء في فقه المعاملات. مع ذلك يتكيف هذا الفقه عموما مع الاقتصاديات الحديثة ببطء
أخيرا ثمة فقه عقود النكاح، وقواعد تنظيم الأسرة. ولعلها أكثر مواضيع الخلاف والإختلاف إحتداما، وبخاصة مسألة تعدد الزوجات وحقوق الارث، وحضانة الأطفال. ليس سرا ان الفقهاء، بل المسلمين بعامة يتباينون في تأويل الشريعةهنا تباينا كبيرا، وينقسمون الى تيارات محافظة، ووسطية، وإصلاحية جذرية.هذا التباين في العناصر المكونة للفقه، يوازيه تباين آخر في مصادر الشريعة : أهي القرآن الكريم وحده، أم القرآن والسنة (كما يرى الاخرون، أم القرآن والسنة
والعقل( الإجتهاد ) حسب فهم رابع. والإجماع
حقاً ان فهم معنى الاسلام كمصدر للتشريع يتعدد بتعدد فهمنا لمعنى الشريعة ومصادرها، كما يتعدد بتعدد الاجتهادات داخل مكونات الفقه (الفقه السياسي، فقه العبادات، فقه المعاملات). وهذا التعدد الذي نما عبر تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، مفيد لجهة اغناء وتطور الفكر، ان قام على قاعدة احترام التعدد والاعتراف به، ومدمر تماماً ان مشي على ارضية احتكار جهة واحدة للحقيقة، وسيادة هذا الاحتكار حقيقة تفقأ العين.
ان الدعوة لفرض الاسلام (او الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع ينطوي ضمناً أو صراحة على حكم رجال الدين لتفسير معنى الاسلام، ووضع فئة واحدة لا تزيد عن بضعة آلاف موضع القيّم على تفكير الملايين، واحلال الاكليروس محل الأمة. وهذا جانب مهم بل اساس عند معالجة مسألة الدين والدولة. فالدين ليس محض منظومة اعتقاد وشرائع، بل هو ايضاً مؤسسات يديرها بشر فانون، لهم من المطامح والمصالح ما لغيرهم، ونظرة على طبقة رجال الدين، او المشتغلين بأمور الفقه، تفيدنا انها، شأن مجتمعها، مبرقشة من حيث منحدرها القبلي، والجهوي، والاثني، وانها تتوزع على المكونات الاجتماعية بين ريفيين محافظين، وحضريين متنورين، وان انتماءاتها الاجتماعية تتداخل بانتسابها الفقهي، والايديولوجي، وهي ليست منزهة عن الغرض البشري والمصالح الاجتماعية وان حصل انسلاخ عن هذا الغرض، فذلك يشكل الاستثناء لا القاعدة.
ونلاحظ ان مساعي «أسلمة» الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ«اسلمة» المجتمع، بفرض الحجاب (المرأة هي الهدف الاول دوماً)، وفصل الجنسين، بل تحريم المصافحة، وغلق دور السينما، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محلات بيع الاشرطة)، وغلق محلات حلاقة النساء، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال (اغتيل عشرات الحلاقين في بغداد وجوارها).
وبهذا تُختزل الأسلمة سياسياً الى احتكار الفقهاء و/أو الاسلاميين لحق الحكم تنفيذاً وتشريعاً، كما تُختزل اجتماعياً الى اختراق المجال الخاص للفرد، وفرض منظومة قيمية محددة (محافظة في الاغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك. عدا هذا لا يملك الاسلاميون برنامجاً. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذذون برمي بنات الحواضر السافرات بالحجارة، أو فئات هامشية عدوانية، محطمة روحياً بحكم العوز والاهمال، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طالبات الجامعة او تطلق النار على الحلاقين.
وباختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات التقليدية، اذ ينجذب الى هذه الحركة، في طور صعودها عدد من الراغبين في الافادة من فرص الصعود الاجتماعي.
وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب والاديان ومتنوعة في تنظيمها الاجتماعي والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية)، فانه يكون وصفة للخراب.
خلاصة:
- ينبغي الاعتراف بالاسلام مصدرا من مصادر التشريع، واكرر: الاسلام، وليس الشريعة، فالمعنى مختلف والمبنى مخالف.
- وينبغي ايضا التمسك بفقرة عدم تشريع ما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.
- وينبغي ايضا الابتعاد عن تخصيص اية فقرة عن المرجعية بدعوى وجوب حمايتها من تدخل الدولة. فالحاصل الآن هو ضرورة حماية الدولة من تدخل المراجع الدينية.
واذا كان لا بد من فقرة قانونية بهذا الصدد فالافضل ادراج مادة تشير الى الاحترام المتبادل، احترام الدولة لكل المراجع الدينية بلا استثناء (مسلمة ومسيحية وصابئية وغيرها)، واحترام المراجع للدستور والقوانين العامة التي يرضى بها الشعب باغلبيته المطلقة (الثلثين).
- وينبغي الالتفات الى موضوع المرأة، وبخاصة مسألة الحفاظ على قانون الاحوال الشخصية، بل والسعي الى تطويره، وتبصير دعاة الغائه بالعواقب.
فالح عبد الجبار
نحن والدستور
الانشغال بالدستور في عالم لا دستوري هو واحدة من مفارقات كثيرة، تتحول الى برزخ مايني يتسع بين العراق ومحيطه. لكن مشاغل الدستور مريرة. ذلك ان الانتقال الى دولة القانون، الذي طال انتظاره يأتي في لحظة وخيمة، من سقوط الايديولوجيات الجامعة، وتفتت القوى الاجتماعية، وصعود الهويات المحلية، اللابسة لبوس الاسلام التقسيمي (سمّه ما شئت: مذهبية، او طائفية، اسلامية او اصلاحية، اصولية او ظلامية... الخ).
وتتصارع الآن صيغ عديدة للدستور، الذي يفترض به ان يكون بمثابة عقد اجتماعي للكل، لا لأجزاء. والمباراة تبدو لي، حتى الآن، غير حميدة. ذلك انها تتركز على حذف والغاء كل ما هو مدني وحضاري في الدستور المؤقت، المسمى: قانون الادارة الانتقالي.
خرج قانون الادارة الى الوجود في ظل ادارة بريمر، وهذه الواقعة وحدها تكفي بنظر بعض النقاد والآيديولوجيين الى وسمه بميسم الرجس. فكل نص دُوّن في ظل الاحتلال يُعدّ، والحالة هذه، باطلا. ولا يهم هنا فحواه، بل توقيته. الواقع ان المدارس الآيديولوجية الاحتكارية والاسلامية المحافظة تزدري هذه المثل وتربأ بها، ولو دونت هذه المثل عينها في دستور بأقلام وطنية صرفا لوصموها بالتمزيق او بالكفر والزندقة. "فلا يحق لبشر ان يشرع" كما يقول فقهاء هذه المدارس، دون ان يلتفت أحد الى ما في هذا القول من ادعاء الإلوهية عند هؤلاء الفقهاء عينهم.
يمتاز الدستور المؤقت (قانون الادارة الانتقالي ) بنصوص حضارية، مستمدة من احدث تجارب النظم الدستورية في حل مشكلات تمركز السلطة، وتوزيع الموارد، وتنظيم العلائق بين الاثنيات والجماعات الدينية، وحماية الجماعات والافراد من غول الدولة، وارساء المؤسسات على قاعدة قانونية راسخة.
لعل اول ما يلقت الانتباه في الدستور المؤقت (قانون الادارة الانتقالي ) انه يلغي مركزة السلطة (استبداد السلطة التنفيذية)، ويعيد مبدأ تقسيم السلطات تنفيذا وتشريعا وقضاء. ومن سماته انه يعيد تنظيم السلطة القضاءية بارساء استقلالها المالي (ميزانية خاصة)، وتنظيمها في مجلس اعلى للقضاء، ومحكمة دستورية تحد من سلطة الجمعية الوطنية (ان ارادت تجاوز الدستور). السلطات في العهد الشمولي والعهود العسكرية تركزت في هيئة واحدة (مجلس قيادة الثورة)، تجمع سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء الدستوري.
واظن ان الدستور المؤقت(قانون الادارة الانتقالي ) يتفوق على الدستور الملكي البرلماني – الدستوري في هذا الجانب، حيث ان الدستور الملكي كان يمنح صلاحيات واسعة للعرش في حل البرلمانات والوزارات بالمراسيم.
ويمتاز قانون الادارة الانتقالي ايضا بوضع أسس اللامركزية الادارية، حلا لمشكلة النظم السابقة شديدة المركزية. فالمركزية باتت وباء يهدد النسيج الوطني بسبب تركز السلطات في بغداد يحصر جل الموارد في العاصمة، ويترك المحافظات في حال من الحرمان والتمرد. ولعلها سمة في عموم بلدان المنطقة، حيث تنحصر الخدمات في العاصمة، لتتوسع هذه توسعا سرطانيا. وان جل العواصم في المنطقة يضم نحو ربع السكان او اكثر (بغداد 6 ملايين، القاهرة15 مليون).
النظام اللامركزي لا يقسم البلد، بل يقسم السلطات، ويمنح للمناطق الادارية حصة مشروعة في الثروة الاجتماعية (النفط) وحقا في التصرف بهذه الموارد وفقا لحاجاتها الفعلية.
يمتاز قانون الادارة الانتقالي ايضا بوضع أسس جديدة اتحادية (فيدرلية) لحل المسألة القومية، من جانب، وتقوية النظام اللامركزي في جانب آخر، على القاعدة ذاتها: التوزيع العادل للموارد، والتصرف المحلي او الاقليمي بها تبعا لحاجات المناطق.
يفهم البسطاء والآيديولوجيون الفيدرالية (الاتحادية) على انها تقسيم للبلد، في حين انها تقسيم للسلطات على قاعدة وحدة البلد. ومعروف ان الحكومة الاتحادية تتولى الشؤون الاساسية من وظائف الدولة الحديثة (الدستور، القانون، الدفاع، الاقتصاد الوطني، التمثيل الدبلوماسي... الخ)، بينما تدير الاقاليم الشؤون الاخرى. وان تقسيم السلطات هذا ضرورة للحفاظ على وحدة الأمة متعددة القوميات والثقافات والاديان.
ومما يميز النظام السياسي الجديد، حسب منطوق قانون الادارة الانتقالي المؤقت، ايجاد ضمانات للجميع وعلى اساس مبدأ التوافقية. وهذا المبدأ جديد كل الجدة على الفكر السياسي في المنطقة عموما.
التوافقية في الاساس تقوم على ايجاد آليات للتوازن بين شتى الجماعات المكونة للأمة (العراقية في هذه الحالة) باعطاء عناصرها الرئيسية حق النقض، أي قوة التعطيل، من اجل حمل الاكثريات الاثنية على اخذ مصالح الاطراف الاخرى بعين الاعتبار.
وهذه مسألة بالغة الاهمية، اذا تذكرنا أمرين: ان الدولة الحديثة قامت على مبدأ الديمقراطية وهي الحكم بالرضى وحكم الاغلبية، لكن الدولة الحديثة قامت ايضا على مبدأ القوميات: لكل أمة دولتها. واوضحت التجربة التاريخية وجود تعارض بين مبدأ الديمقراطية (حكم الاغلبية بالاقتراع)، ومبدأ القوميات في الدول المختلطة قوميا ودينيا، وهو تعارض افضى الى استبداد الاثنيات الكبرى (ethnocracy)، ولحل هذا التعارض وجدت صيغ الفيدرالية، او التوافقية، او مزيج الاثنين.
ويتجلى مبدأ التوافقية حاليا في انشاء مجلس رئاسي يضم رئيسا ونائبين يمثلون الجماعات الرئيسية، ويتمتع كل عضو بحق النقض (الفيتو). ويمكن للفيتو الرئاسي تعطيل التشريعات الماسة بالتوازن.
زد على هذا ان التشريعات البرلمانية ينبغي ان تحظى باغلبية موصوفة (الثلثين)، بدل الاغلبية البسيطة (50%+1).
وبالطبع يرفض دعاة المركزية هذا المبدأ المقيّد.
هناك ايضا قيد توافقي على كتابة الدستور الدائم، اذ من حق ثلاثة ارباع المصوتين في أي ثلاثة محافظات رفض الدستور. وهذا يعطي عمليا للاكراد وللمحافظات غير الخاضعة للنفوذ الاسلامي، ان تصدّ او تعطل عملية كتابة الدستور اذا كان ماسا بمصالحها.
هذا الوضع يرغم الجميع على الاتفاق، ويعطل الاحتكار أنى أتى. الميزة الاخرى الهامة في الدستور المؤقت انه يعترف بالاسلام مصدرا للتشريع بين مصادر اخرى. ولا يقر تشريع اية مادة تنافي "ثوابت الاسلام المجمع عليها". وتعبير الثوابت هنا مقيد بالاجماع عليها من جانب المسلمين، وهي صيغة توفيقية تأخذ في الاعتبار صعود الاسلام السياسي المتمذهب، من جانب، وتراعي متطلبات الحياة العصرية من جانب آخر. ويحظر الدستور المؤقت تشريع كل ما يتناقض مع حقوق الانسان والحقوق المدنية ومبادئ الديمقراطية، والمعاهدات الدولية.
اخيرا يعطي قانون الادارة الانتقالي للمرأة دورا معقولا (في ظروف الذكورية الاصولية المنفلتة هذه الايام) بتخصيص 25% من المقاعد لها في هيئات الحكم، ويحافظ على قانون الاحوال الشخصية القديم، وهو العنصر الايجابي الوحيد من تشريعات الماضي.
هذا العرض المفصل بعض الشيء لقانون الادارة الانتقالي المؤقت يرمي الى تبيان ان مساعي الغاء هذه الأسس ستكون وبالا على العراق.
أزعم ان قانون الادارة الانتقالي المؤقت يبلغ من الرقي مبلغا يتجاوز به المستوى الراهن للمجتمع العراقي تجاوزا مرعبا. واقول "مرعبا" بوعي تام، لأن العراق فقد الكثير من سماته المدنية، وعاد القهقرى في مستواه الفكري والسياسي الى عالم ما قبل الدولة الحديثة. ولم يعد يقوى (مؤقتا كما نأمل) على استعادة عافيته الحضارية.
لقد صيغ قانون الادارة الانتقالي المؤقت في ظل توازنات ما قبل الانتخابات. اما توازنات القوى بعد الانتخابات فمغايرة.
ثمة ثلاثة كتل اساسية: الكتلة القومية الكردية في جانب والكتلة الشيعية في جانب، وكتلة اياد علاوي الوسطية مع قوى اخرى في جانب. حازت الكتلة الشيعية على48.1 % من الاصوات، لكنها حصدت اكثر من 50% من المقاعد، بسبب تبديد نحو نصف مليون صوت على القوائم الخاسرة.
ومن الواضح ان ثمة افتقار الى كتلة وسطية عربية نافذة. وتحاول الكتلة الشيعية استخدام مبدأ الاغلبية البسيطة، (لا الاغلبية الموصوفة) لالغاء مبدأ التمثيل النسبي حسب منطوق قانون الانتخابات كي يفضي الى تدمير الكتلة الوسطية (كتلة اياد علاني + الحزب الشيوعي + قائمة عراقيون وقوى اخرى)، وحرمان الاقليات الدينية والقومية من التمثيل، على امل ان يسفر دخول المناطق المحرومة من الانتخابات الكاملة (الموصل، الانبار، صلاح الدين... الخ) عن صعود تيار اصولي قابل للتحالف من اجل أسلمة كاملة للنظام السياسي على غرار ايران.
يخلط هذا المسعى بين الاغلبية كمفهوم اثني او ديني، والاغلبية كمفهوم سياسي. الاول حقيقة سكانية احصائية ثابتة، والثاني حقيقة انتخابية متغيرة. كما ان المفهوم القانوني/الدستوري للاغلبية لم يقم ولم يقوم على الاغلبية البسيطة (50+1) بل على الاغلبية الموصوفة او المطلقة (اغلبية الثلثين)، مشفوعة باشتراك كل الاطراف حسب مبدأ التوافقية. ان مساعي تغيير الأسس المتوازنة ستدمر كيان الدولة العراقية، ان كتب لها النجاح.
ثمة الآن مساع حثيثة لما يلي:
1 – الغاء مبدأ التوافقية (تمثيل الكل في مجلس رئاسي مع حق الفيتو).
2 – الغاء مبدأ اغلبية الثلثين الدستوري.
3 – الغاء او تشويه الطابع الاتحادي (الفيدرالي) للنظام السياسي.
4 – استبدال المواد الناظمة للعلاقة بين الدين والدولة المشار اليها بمواد مقاربة في فحواها للدستور الايراني.
5 – الغاء النسبة المخصصة للمرأة في هيئات الحكم.
6 – الغاء التوقيع على المعاهدات الناظمة للحقوق المدنية بحجة تعارضها مع الاسلام.
خلاصة:
يترتب على ما تقدم وجوب الحفاظ على تقسيم السلطات، والتمسك بصلاحيات النقض (الفيتو) للرئاسة، كيما تكون بمثابة الثقل الموازي للشق الآخر من السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء).
وهذا ضروري لاسباب عديدة:
اولا- نحن لا نتوفر على مجلس (برلمان) للقوميات يوازن سلطة الجمعية الوطنية، ويمنح لكل القوميات حقا متساويا في تقرير الامور الاساسية.
وثانيا – ان الحد من غلواء السلطة التنفيذية يتطلب وجود نظام قضائي (بما فيه محكمة دستورية) متين وراسخ، وهذا لا يتوفر في العراق.
وعليه نستخلص ضرورة الحفاظ على حق الفيتو الرئاسي لكي يكون أداة للتوافقية، والتوازن. كما نستخلص وجوب النص على ان يكون تشريع او تغيير أي قانون قائما على مبدأ الاغلبية الموصوفة (الثلثين، او ثلاثة ارباع نواب الجمعية الوطنية)، مشفوعا بنظام التمثيل النسبي.
هذه ركائز ضرورية للحفاظ على النظام السياسي المتوازن، رغم اننا نقر بأن مثل هذه الترتيبات تبطئ سير العملية السياسية، لكن الافضل ان نخسر بعض الوقت من ان نخسر الافق الديمقراطي الفيدرالي التعددي.
30-7-2005
لندن
معهد الدراسات الاستراتيجية – العراق
باستضافة معهد لندن للشرق الاوسط
يدعوكم الى
ورشة حول مناقشة وتعديل مسودة الدستور العراقي الدائم
9 – 10 أيلول 2005
جامعة لندن – كلية الدراسات الافريقية والشرقية (SOAS)
قاعة بروناي – غرفة B102
الجمعة 9 أيلول
اليوم الاول : خبراء يناقشون الدستور
- 30,4 عصرا التسجيل
- 5 – 8 مساء جلستان
السبت 10 أيلول
(اليوم الثاني): ممثلو القوى والجماعات يناقشون
11 – 2 ظهرا الجلسة الاولى: الملاحظات والانتقادات
4 – 6 الجلسة الثانية: اقتراحات دستورية
اقرب محطة قطار انفاق
Russell Square (Piccadilly Line)
Tottenham Court Rd. (Central Line)
للاتصال:
02085780600
07905678971
02075392209
07952790016
بيان صادر عن الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق
يا جماهير الطبقة العاملة ..
يا جماهير شعبنا ..
تحتل الطبقة العاملة العراقية موقعا متميزا ومتقدما في المجتمع العراقي ومن خلال دعمها لمسيرة عراقنا الجديد في بناء الاقتصاد الوطني والمشاركة الفاعلة في العملية السياسية والنهج الديمقراطي بعد ان عانت في العهد الدكتاتوري المقبور من ظلم وعسف وإضطهاد وتنكيل .
واليوم يتطلع عمالنا البواسل الى ممارسة حقوقهم المشروعة بإقامة تنظيمهم النقابي الديمقراطي الحر من أجل الدفاع عن مصالحهم ومكتسباتهم وعلى تحقيق الامال والطموحات المشروعة لجميع ابناء شعبنا العراقي نحو غد مشرق سعيد .
إلا إننا في هذه الفترة نتعرض الى إجراءات تعسفية وتدخل سافر من قبل الامانة العامة لمجلس الوزراء وبعض الوزارات والادارات الحكومية بمنع التنظيم النقابي من ممارسة حقه المشروع ومنع نشاطه في القطاع العام للدفاع عن حقوقنا المسلوبة متذرعين بقوانين وقرارات النظام البائد ومنها القرار الجائر 150 لسنة 1987 والتي الحقت الاذى والتعسف بطبقتنا العاملة وتنظيمها النقابي وتتخذها ذريعة لكي لا نساهم في كشف بؤر الفساد الاداري والمحاصصة الحزبية الضيقة في مؤسسات الدولة والتي وصلت الى نسب عالية جدا في بعض هذه الوزارات .
ولكي تكون سياسة كم الافواه وغمط حقوقنا المشروعة منطلقا ونهجا لسياسة الحكومة الحالية والتي تؤكد على رفضها ومواجهتها بكل السبل .
يا عمالنا البواسل ..
إن جماهيرنا العمالية في كل مواقع العمل وفي جميع المحافظات ومنها البصرة الفيحاء وكركوك وبابل والنجف والعمارة وبغداد وغيرها والتي تمارس حقها المشروع في الفعاليات والانشطة المسموح بها قانونا للإعلان عن موقفها من الوزارات والادارات المتخلفة والتي تتحكم بها عقلية النظام البائد ليؤكدون على ان من حق عمالنا العراقيين بممارسة مختلف أنواع وسائل الضغط من مسيرات احتجاجية وإعتصامات وإضرابات لتثبيت حقهم والدفاع عنه وخاصة في قطاعات النقل والاتصالات والموانيء والنفط والتجارة والصناعة والخدمات وغيرها .
ان الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق وشعورا منه بالمسؤولية الوطنية والطبقية تجاه جماهيرنا العمالية ووطننا وشعبنا نشجب ونستنكر وندين أي اجراء تعسفي تجاه عدم تلبية المطاليب المشروعة لعمالنا البواسل ونحذر من مغبة الاستمرار في هذا النهج الخاطيء والغير ديمقراطي .
وبهذه المناسبة نهيب بالاخوة كوادر الحركة النقابية في عموم عراقنا الجديد بالتصدي للممارسات السلطوية الجديدة ( القديمة ) التي تحاول النيل من حقوقنا المشروعة في إقامة تنظيمنا النقابي والدفاع عن مكتسباتنا الوطنية والطبقية ، مؤكدين على إننا سنبقى أوفياء لطبقتنا العاملة وجماهير شعبنا وكادحينا لبناء عراق ديمقراطي موحد ومن أجل حياة حرة كريمة .
الخزي والعار لأعداء الطبقة العاملة
المجد والخلود لشهداء الطبقة العاملة
المكتب التنفيذي
للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق
I.F.T.U
25 / 8 / 2005
posted by wesam chaseb
عبد الحسين ألغرابي / النقابة العامة لعمال الخدمات
العلاقات التنظيمية النقابية بين القيادة وبين اللجنة النقابية تتأكد وتتوضح المعايير الصائبة أو الخاطئة وواقع هذه العلاقات وممارستها عمليا على أرض الواقع وأهمية الديمقراطية ومدى امتدادها في تقاليد الحركة القائمة , ومن المعروف ان أي حركة نقابية لا يمكن أن تمثل الطبقة العاملة بدون أن تجد لها قواعد ثابتة وقابله للتوسع ، إذ إنها بدون أن تجد القواعد سوف تفقد محتواها الأساس الذي يتجسد في دفاعها عن حقوق العمال ومصالحهم وتحقيق تطلعاتهم . فإهمالها للجان النقابية يعني تعريض القواعد إلى التسيب والإهمال وبالتالي بعثرة الوحدة الطبقية كما إن الأسباب التي تؤدي إلى فشل النقابة يكمن في عزلتها عن العمال والابتعاد عن البرامج التنظيمية التي تؤكد ارتباطها بالطبقة العاملة أو في عدم جدارتها وتأهلها لقيادة الطبقة العاملة وافتقارها لثقتها , ومن هذا الباب فان القيادة النقابية الناجحة التي تطرح نفسها على إنها جديرة ومؤهلة يجب أن تتوفر فيها ثقة الطبقة العاملة والقدرة على استيعاب تطوراتها وقدرتها على معرفة أوضاعها دون أن تتجمد في وضع معين ومحدود يفقدها اصالتها الطبقية ويعرضها إلى العزلة والانفصام عن الواقع العمالي ... إن اللجان النقابية وتواصلها مع النقابة العامة يبرهن على إن الحركة النقابية تتمتع بمؤهلات ديمقراطية ذات دلالات كبيرة لان من أول مهام وواجبات القيادة أن تحقق ارتباطها بالطبقة العاملة من خلال اهتمامها المستمرة وتواصلها مع اللجان النقابية .
إن الشكل التنظيمي في حركتنا النقابية هو جعل اللجان النقابية مرتبطة بنقابة عامة تلتقي معها في نفس النسيج المهني وذات طبيعة عمل متشابهة فالنقابة العامة للخدمات مثلا تضم بين صفوفها عمال الخدمة في قطاع الصحة والتجارة والتربية والسياحة وقطاع الحلاقين ... الخ وهذا المثل يؤشر إن النقابة تتسع مع عمالها فان ضرورة إيجاد لجان نقابية ضرورة ملحة بالنسبة لها . وعلى هذه اللجان أن يكون عدد أعضائها متناسبا وعدد عمال المؤسسة أو المرفق الخدمي على أن يتم الاختيار على أسس ديمقراطية يتاح فيها الاختيار الناجح والامثل من خلال الانتخاب ..
وبعد الانتخابات هناك واجبات على النقابة العامة منها
المراقبة والنقد .. إن إشراف النقابة العامة وارتباطها بالقاعدة التنظيمية يتم باهتمامها بالاتصالات المباشرة بالعمال وان تتحرى وتكشف من خلال احتكاكها بهم ومع لجانها النقابية . وان تعقد لهم الندوات المتواصلة التي تضع التنظيم النقابي ضمن موضوعية بناءة قائمة النقد والنقد الذاتي ..
الاجتماعات .. إن التعرف على أوضاع اللجان النقابية يلزم النقابة عقد اجتماعات دورية متواصلة تتبادل وتتحاور فيها مع اللجان طرح المشاكل الناجمة بين اللجنة والإدارة والعمال بروح موضوعية تضمن سير عمل النقابة بأمانة وإخلاص يودي إلى تحسين أوضاع الطبقة العاملة وضمان حقوقها بما يطور الحركة النقابية .
الإعداد التنظيمي والثقافي .. على النقابة العامة أن تؤمن أساليب الثقافة النقابية والاجتماعية والمهنية وان تخلق من عضو أمينا على المصالح العالية , وتوسيع مؤهلاته القيادية والمهنية وترسيخ اخلاقيته العمالية وعليها أن تعد دورات وتصدر نشرات جدارية ووسائل إيضاح تهدف إلى تنشيط مفاصل الحركة النقابية .
المؤتمرات الانتخابية
اهتمت النقابة في توسيع قاعدتها التنظيمية وإضافة مواقع عمل خدمية جديدة ذات كثافة عمالية تهدف النقابة شمول جميع عمال الخدمات بالتنظيم النقابي . وأجرت لقاءات مستمرة وحركة دؤوبة للوصول إلى تحقيق أهدافها في هذا المجال وكان ابرز ما تحقق :
سعت النقابة إلى تشكيل هيئة تحضيرية لعقد مؤتمر انتخابي في الشركة العربية للمضادات الحيوية ( اكاي ) والواقعة على بعد أكثر من 40 كم قرب قرية الوحدة على طريق بغداد – الكوت .. وتحقق المؤتمر الانتخابي يوم الثلاثاء 14 / 6/ 2005 وفي أجواء ديمقراطية تميزت بالضبط والشعور العالي بالمسؤولية ومارس العمال حقهم في انتخاب مرشحيهم وتم تشكيل لجنة نقابية نالت قبول جميع العمال . واشرف على سير الانتخابات رئيس النقابة العامة وأمين الشؤون المالية وفي إجراء مماثل وضمن قطاع وزارة الصحة / قطاع الرصافة تحقق تشكيل لجنة نقابية في مستشفي النعمان / الاعظمية وفي قطاع السياحة تحقق وبحضور رئيس النقابة وبعض أعضاء مكتب النقابة تشكيل لجنة نقابية في بحيرة الجادرية السياحية هذا وقد وجهت النقابة العامة لعمال الخدمات كتاب شكر إلى السيد محمد ابراهيم الهايس مدير بحيرة الجادرية السياحية لما أبداه من تعاون جاد ومثمر مع رئيس وأعضاء اللجنة النقابية في بحيرة الجادرية وفي قطاع وزارة الصحة تحقق أعداد وتشكيل لجنة نقابية في مستشفي الإمام وبهذا يكون الهرم التنظيمي للنقابة العامة لعمال الخدمات أكثر من 55 لجنة نقابية وستتظافر الجهود لتحقيق العدد المطلوب بغية تغطية الخارطة الخدمية لعموم محافظة بغداد .
الزيارات
وضعت النقابة في اولويات عملها متابعة العمل النقابي والتحرك المثمر من أجل توثيق الصلة بين النقابة ومفاصلها التنظيمية وتأكيد حضورها الفاعل في ميادين العمل لرفع أداء اللجان النقابية وتفعيل دورهم باتجاه تقديم أفضل الخدمات وقد تحقق في هذا المجال الزيارات التالية التي قام بها رئيس وأعضاء مكتب النقابة العامة لعمال الخدمات العامة مع اللجان النقابية والعاملين وأصحاب العمل لمناقشة واقع العمل والخدمات وتثقيف العمال وتذليل الصعوبات التي تعترض مسيرة العمل النقابي زيارة فندق فلسطين ، زيارة فندق السدير ، زيارة فندق بابل ، زيارة فندق المنصور ، زيارة نادي العلوية ، زيارة فندق بغداد ، زيارة مستشفى الحبيبية للولادة ، زيارة مستشفى الكرامة ، زيارة مستشفى الطفل المركزي ، زيارة مستشفى مدينة الطب .
المساعدات
تحرص النقابة دائما على تقديم المساعدة إلى العمال في حالة المرض والوفاة وحضور الأفراح وتقدم المساعدة المناسبة لكل حاله وقد حصلت حالات مرضية أو عمليات جراحية وساهمت النقابة في تقديم مساعده للعامل أو احد ذويه كما وتحضر مجالس الفاتحة للعمال وقد صرفت مبلغ قدره 260000 مائتان وستون ألف دينار استفاد منه 16 عامل شملت حضور 6 ستة مجالس فاتحة مساعدة 10 عمال نقابيين .
تصريح صحفي صادر عن المكتب الإعلامي في الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق
بتاريخ 17 آب 2005 قامت مجموعة إرهابية ضالة بتفجير سيارتين مفخختين في محطة حافلات رئيسية ببغداد ( كراج النهضة ) لم تفصلهما إلا عشر دقائق, تبعهما انفجار سيارة أخرى قرب مستشفى الكندي ببغداد غير بعيد عن المحطة وعلى بعد أمتار فقط من قسم الطوارئ حيث كان ينقل الجرحى.
وراح ضحية هذه العملية البائسة 55 شهيد وقرابة 70 جريح من بينهم سواق في المحطة المذكورة ومسافرين ويذكر انه كان من بين الضحايا السيدان جعفر عبد وثائر عباس أعضاء اللجنة النقابية في الموقع المذكور .
إن اتحادنا العام إذ يشجب هذه العملية الجبانة وينعى في الوقت نفسه شهداء الطبقة العاملة الذين راحوا ضحية لهذه العملية الإرهابية الدنيئة فإنه وفي نفس الوقت يطالب الحكومة العراقية والجهات ذات العلاقة بملاحقة مرتكبي هذه العملية الشنيعة وتقديمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل وكذلك المطالبة بتعويض عوائل الشهداء والجرحى – ضحايا الإرهاب - ماديا ومعنويا بما يوفر لهم حياة حرة كريمة .
وعلى صعيد ذي صلة فقد قام أعضاء مكتب النقابة العامة لعمال النقل والاتصالات بزيارة تفقدية لجرحى الانفجار المذكور في المستشفيات والاطمئنان عليهم وتقديم المعونة لهم .
عاش عمالنا الأبطال وهم يواصلون الليل بالنهار متحدين موجة الإرهاب العاتية لبناء عراق مشرق
المجد والخلود لشهداء الطبقة العراقية .
أقدمت القوات الأمريكية يوم الثلاثاء 15/8/2005 على ارتكاب عمل عدواني جديد ضد عمالنا العراقيين و ذلك بإطلاق نار بواسطة طائرة مروحية على تجمع لهم في منطقة علاوي الحلة ببغداد مما أدى إلى جرح 26 عاملاً و مدنياً نقلوا على أثرها إلى مستشفيات مختلفة في بغداد و أكد العمال الجرحى على أنهم كانوا متجمعين إثناء تعرضهم لإطلاق نار بواسطة الطائرة المروحية دون سبب يذكر .
إن الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق إذ يدين و يستنكر هذا العمل العدواني يطالب القوات الأمريكية بالاعتذار لعمالنا و تعويضهم نتيجة للإصابات بعضها خطرة .
و نطالب الحكومة العراقية بالتحقيق العادل لهذه الحادثة و مطالبة القوات الأمريكية بعدم تكرار مثل هذا الاعتداء و نحذر من مغبة تكرار ذلك مستقبلاً .
التقى يوم السبت 13 / 8 / 2005 في مبنى قصر المؤتمرات في بغداد وفد من اتحادنا العام ضم السادة عدنان الصفار وجاسب عودة حسن وحمدان كاظم الساعدي أعضاء المكتب التنفيذي لاتحادنا العام والسيدة علياء حسين ماهود والسادة طالب كاظم الطائي وعبد الحسين الغرابي عن النقابات العامة في بغداد والسيد مهدي درويش العوادي نائب رئيس اتحاد نقابات عمال الديوانية بالسادة الشيخ جلال الدين الصغير وخالد أبو ذر العطية و منذر الفضل و حسين باليساني أعضاء لجنة كتابة الدستور في الجمعية الوطنية و بحضور السيد جاستين ألكسندر ممثلا عن منظمة الأمم المتحدة في العراق .
و تقدم وفد اتحادنا بمذكرة تتضمن المباديء الأساسية التي يتطلب تثبيتها في كتابة الدستور الجديد و ما يتعلق منها بقضايا العمل والعمال وحقوقهم الوطنية والمهنية وبشكل خاص تثبيت حق العمل وتوفيره والتأكيد على مجانية التعليم والصحة والخدمات العامة وإصدار قوانين للعمل والتقاعد والضمان الاجتماعي تتناسب مع التطورات التي حصلت في الأوضاع الاقتصادية ومستوى المعيشة في بلادنا و العالم وعلى ضمان حقوق المراة كاملة في مختلف جوانب الحياة ومساواتها بأخيها الرجل وكذلك تشريع قوانين تحمي الأحداث ومنع استغلالهم .
و تم التأكيد على مبدأ المواطنة وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الديني أو القومي أو الطائفي أو الجنس .
مؤكدين على إن الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق ومن منطلق الشعور العالي بالمسؤولية الوطنية والطبقية يؤكد على أهمية أن يكون للطبقة العاملة العراقية دورا أساسيا في مختلف جوانب الحياة للمجتمع العراقي ومنها المشاركة الفاعلة في صياغة الدستور الدائم .
وعلى صعيد متصل عقد صباح يوم الخميس 11/8/2005 في مبنى قصر المؤتمرات لقاء بين ممثلي اتحادنا العام ضم السادة عدنان الصفار و جاسب عودة حسن عضوي المكتب التنفيذي للاتحاد و السيد عبد الله محسن ممثل اتحادنا في المملكة المتحدة والسيد جاستن ألكسندر ممثلأ عن منظمة الأمم المتحدة في بغداد وذلك للتباحث حول مناقشة الدستور الدائم ودور ومساهمة الطبقة العاملة العراقية في صياغة وتثبيت حقوق ومكتسبات عمال العراق في الدستور الجديد كونهم يمثلون شريحة أساسية في المجتمع العراقي وخاصة ما يتعلق بحق العمل وتوفيره ومعالجة مشكلة البطالة وتامين التعليم والصحة والخدمات العامة لأبناء الطبقة العاملة وضمان البطالة والشيخوخة والتقاعد وإصدار قانون عمل تقدمي يلبي حاجة عمالنا وفق المعايير الدولية للعمل وكذلك إصدار قانون للضمان الاجتماعي لعموم أبناء شعبنا ومنهم العمال وتثبيت حقوق المراة كاملة بجميع جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وخاصة المراة العاملة لتشجيعها على مواصلة العمل ومنع تشغيل الأحداث دون مراعاة المعايير الدولية في هذا الجانب .
وصل الى بغداد صباح يوم الاربعاء 10 اب 2005 السيد عبد الله محسن ممثل الاتحاد العام في المملكة المتحدة في زيارة قصيرة .
وكان في استقبال السيد عبد الله محسن اعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق I.F.T.U .
وتم توجيه الدعوة الى السيد عبد الله محسن لحضور الاجتماع الدوري للمكتب التنفيذي للاتحاد العام حيث أثنى اعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام على الجهود الكبيرة التي يبذلها السيد عبد الله محسن في مجال عمله ، هذا وقد تم التباحث مع الاخير عدد من القضايا التي تخص العمل النقابي في العراق .
ومن ثم قام السيد عبد الله محسن بإطلاع المكتب التنفيذي على تفاصيل زيارته للولايات المتحدة الامريكية لحضور مؤتمر النقابات الامريكية الذي عقد في اواخر تموز الماضي وتم التباحث حول إدامة تفعيل التواصل بين الاتحاد العام والمنظمات العالمية .
شارك وفد من اتحادنا العام مكونا من السادة يوسف علي دهش العذاري و وسميرة خلف الكعبي ولمياء سهر خليل واسماء عبد الرزاق مدلول وسعدية ثابت مازاد وجبار هاشم وثائر رشيد وخالد عودة وادي وحسون عبد المياحي ووسام جاسب عودة في الدورة التدريبية التي نظمتها نقابة اليونسون البريطانية بالتعاون مع اتحادنا العام حول تدريب المدربين النقابيين والتي اقيمت في عمان للفترة 25 - 29 تموز 2005 ، وقد تلقى المتدربون على مدى ايام الدورة اساليب التدريب الحديثة و كيفية اكساب المتدربين الثقة اللازمة بانفسهم كي يصبحوا مدربين نقابيين ناجحين ،.
وتم التطرق الى معوقات العمل والتدريب النقابي في العراق في المرحلة الحالية واعطاء صورة واضحة عن التنظيم النقابي لاتحادنا ، وشملت الدورة كذلك على تعريف المشاركين باساليب ومهارات التدريب وكيفية اقامة ورش عمل للمجاميع الكبيرة وكيفية تنظيم وتخطيط مكان العمل ، هذا وقد عقد المتدربون أول اجتماع لهم في مقر الاتحاد يوم 4 اب 2005 لوضع خطط التدريب لشهر اب الحالي بما يضمن شمول جميع القطاعات بعمليات التدريب ومن المؤمل ان تبدأ عمليات التدريب في 15 اب الحالي لنقل التجربة الى النقابات العامة والاتحادات المحلية في عموم العراق كمرحلى أولى على ان يكون الاعضاء النقابيين المحتملين هم المستهدفون في عملية التدريب هذه وأن تبدأ المرحلة الثانية في منتصف شهر أيلول القادم وستستهدف الكوادر النقابية على مستوى اللجان النقابية في مواقع العمل وفي المرحلة الثالثة سيتم استهداف الكوادر النقابية المتقدمة في مكاتب النقابات العامة والمحلية في عمليات التدريب هذه ومن المؤمل ان تقام ورشة عمل لتدريب المدربين النقابيين في منتصف شهر تشرين أول القادم لإعداد كوادر تدريبية اخرى لبناء شبكة مدربين نقابيين على عموم العراق
عاش المؤتمر السادس
لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية
على الرغم من كل الظروف العصيبة التي يمر بها شعبنا العراقي وطلبتنا بوجه خاص ومع كل التحديات التي يواجهها عراقنا الحبيب أمام أعداء الشعب والوطن من الزمر الارهابية وأزلام النظام السابق، مازال الطلبة وشعبنا العراقي صامداً في سبيل عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي موحد، ومازال اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ينبض في الساحة الطلابية على مدى 57 عاماً من النضال المشرف في تاريخ الحركة الطلابية.
وفي ظل أجواء من الحماس والنشاط والحرص عقد اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية مؤتمره السادس في 5 آب 2005 وعلى أرض العاصمة بغداد تحت شعار:
( من أجل حياة طلابية حرة من أجل مستقبل أفضل)
مكللاً تواصله مع جماهير الطلبة في تبني حقوقهم المطلبية في انتداب الطلبة لأكثر من 100 مندوب لحضور المؤتمر.
بدأ المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت تمجيداً وتخليداً لشهداء الحركة الوطنية والطلابية وشهداء الاتحاد الذين رووا أرض الوطن بدمائهم الزكية. بعد ذلك تم انتخاب لجان ادارة المؤتمر (الرئاسة، الاعتماد، الصياغة، النظام الداخلي) وأعلنت اللجنة التنفيذية حل نفسها.
وناقش المؤتمرون النظام الداخلي وأبدوا ملاحظاتهم وتعديلاتهم عليه، حيث تم اقرار تعديل شعار الاتحاد الى : في سبيل حياة طلابية حرة .. في سبيل مستقبل أفضل
وتدارس المؤتمر التقرير السياسي متناولاً فيه الوضع الراهن وانعكاساته على الواقع الطلابي وموقف الاتحاد من الاحتلال وضرورة مواصلة الجهود السياسية الرامية لاخراج القوات متعددة الجنسيات ونيل السيادة الكاملة.
كما ناقش المؤتمر ورقة (قراءة في أوضاع الساحة الطلابية)، مشيراً الى أبرز الأحداث وملامحها وسماتها وأهم المؤشرات التي تقلق مسيرة الحرية الفكرية وحق المواطنة، كحادثة جامعة البصرة وما أرتكب فيها من جريمة بحق الطلبة من قبل بعض الجماعات الدينية المتطرفة.
بعد ذلك انتقل المؤتمرون لمناقشة التقرير الانجازي المركزي والتقارير الانجازية للفروع، حيث تم تقييم العمل السابق للأتحاد وما أنجزته وما أعتراه من اخفاقات.
وفي أجواء شفافة وديمقراطية بدأت عملية انتخابات لجنة قيادية للمرحلة القادمة لتعلن انبثاق قيادة جديدة للاتحاد، وجهت بدورها الشكر والتقدير للسكرتارية السابقة وعاهدت الزملاء مندوبي المؤتمر وجماهير الطلبة بالسير قدماً لتحقيق الاهداف المرحلية والمستقبلية للطلبة والاستمرار بوجهة وخط اتحادنا المناضل، اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية.
عاشت الحركة الطلابية العراقية
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
عاش اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية
والى أمام
مكتب سكرتارية
اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية
6-8-2005
لمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المدني في العراق
فالح عبد الجبار*
(موجز ورقة بحث)
مقدمة
ثمة فهم شائع وشائه للمجتمع المدني يقوم على حصره في "المنظمات الطوعية"، وهو فهم يضرب جذوره في المدرسة الأميركية التي ورثت هذه الرؤية عن أليكسي دي توكفيل صاحب كتاب "الديمقراطية في أميركا". والعالم العربي يتداول هذا الفهم دون أية مساءلة نقدية، ويفشل، بالتالي، في إرساء قواعد للمجتمع المدني، متينة وفاعلة.
فهمنا للمجتمع المدني يعتمد على أربعة أركان، هي تباعاً:
1- هو المجتمع التجاري، الذي يستقل فيه الاقتصاد، أو إنتاج الثروة عن الدولة بوصفها جهازاً للحكم، أي انفصال الاقتصاد عن السياسة (آدم سميث - ثروة الأمم)، غير أن هذا المجال الاجتماعي المستقل ليس جنة التصالح بل هو مجال مصالح متعارضة (هيجل - فلسفة الحق، ماركس - نقد فلسفة الحق).
2- المجتمع المدني يتمثَل أيضاً في المؤسسات الوسيطة التي تقف بين الفرد والدولة، وتتولى سلطات محدودة، تؤدي إلى نشر السلطة لا مركزتها، وإلى حماية الفرد من جبروت الدولة المركزية (مونتسيكيو - روح الشرائع).
3- المجتمع المدني يتمثل أيضاً في الاتحادات الاجتماعية الطوعية، غير القرابية non-primordial. وإن نشوءها مرهون بوجود المؤسسات المذكورة فــي (1) و (2)، ولا يمكن لها أن تقوم في فراغ (إليكسيس دي توكفيل - الديمقراطية في أميركا).
4- أخيراً، هناك بعد رابع للمجتمع المدني هو نشوء مجـال عام (public sphere) لتداول المعلومات غير المحتكرة سلعياً، تسمح بنشر آراء متعددة وتدقيقها، ونشر الشفافية (المدرسة الألمانية - أدورنو-هابرماس).
هذه أوجه مركبة، متداخلة للمجتمع المدني، نتخذها معياراً للقياس والتحليل والاستدلال.
الحقل الأول: المجتمع المدني في العراق
تطورت نبتات المجتمع المدني الحديث في العـراق منذ إصلاحات مدحـت بـاشـا (1872)، وتواصلت في العهد الملكي (1921-1958)، بوتيرة متسارعة. وكانت في الواقع عملية تحديث لمجتمع زراعي انتقل من أشكال التنظيم القرابية التقليدية، كالقبائل والعشائر، وبيوتات الأشراف والأعيان، والأصناف الحرفية، إلى مجتمع يعتمد معايير الثروة والتعليم الحديث، من دون أن يفقد ماضيه التقليدي بالمرة. فهو مجتمع انتقالي، تتجاور فيه الطبقات الحديثة، مع الفئات التقليدية، وتقع بين الاثنتين فئات وسيطة تحمل شيئا من هذا وذاك. ترعرعت طبقة من التجار والصناعيين والمصرفيين والمقاولين في قطاع خاص، على أساس اقتصاد السوق، وباتت قوة مجتمعية يحسب لها حساب. كما نشأت، قبلها، طبقة قوية من كبار ملاك الأرض.
وأدت عمليات التحديث، أيضا، إلى نشوء طبقات وسطى تعتمد بالأساس التعليم الحديث، مثلما تعتمد على الملكية ورأس المال في جانب.
وتبلورت طبقات عاملة في الصناعات الحديثة، وطبقة فلاحية معدمة في الأرياف. بإزاء نشوء الثروة الاجتماعية كمجال مستقل نسبياً، نمت أيضا اتحادات وجمعيات وحركات اجتماعية، تعبر عن هذه المصالح، وتذوِد عنها، ضاغطة على المجال السياسي. وبموازاة ذلك أيضاً، ازدهرت بشكل نسبي صحافة ومجال معلوماتي غير حكومي.
عملية التطور هذه انقطعت في حقبة الحكم العسكري "الثوري" (1958-1968)، وتشوهت تماماً في حقبة الحكم الشمولي (1968-2003).
الحقل الثاني: تفكيك وابتلاع المجتمع المدني
جرى تفكيك المجتمع المدني بقواه ومنظماته، تباعاً، بدفع من ميول تنموية أو اشتراكية تتمركز حول الدولة كفاعل رئيسي في عملية التحديث.
فأولا جرى إضعاف مؤسسة الملكية الخاصة بتحولات ابتدأت بالإصلاحات الزراعية التي قوضت الملكية العقارية الكبيرة، ومرت بتأميمات الرأسمال الخاص (1959 و 1964 تباعاً). بموازاة ذلك، توسع دور الدولة كمالك ومنتج اقتصادي، تعويضاً عن ضعف الرأسمال الأهلي، من جانب، ومسخاً له من جانب آخر. وبذلك حذفت قوة اجتماعية، هي نواة انفصال واستقلال المجال السياسي عن الاقتصادي.
الواقع أن زحف الدولة على مجالات المجتمع المدني، اتخذ أبعاداً قصوى في العهد الشمولي (1968-2003). فهذه الدولة الشرهة، بسطَت سيطرتها على الحياة الاقتصادية، مالكاً ومنتجاً. وكان نشوء الاقتصاد الأوامري أحد تجلياتها. وقد تحقق لها ذلك بفضل الفورة النفطية.
وعززت الريعية النفطية قدرة الدولة على امتلاك موارد هائلة مستقلة عن المجتمع، والقدرة على رشوة فئات اجتماعية واسعة، بل أمكن لها إعادة هيكلة طبقات رجال الأعمال المهمَشة، وحذف عناصر منها على أساس ديني أو جهوي أو إثني. وتمكنت من خلق مزيج من رأسمالية قرابية (أقرباء النخب الحاكمة) ورأسمالية خاضعة (crony)، فقدت مبادراتها السياسية، واعتمدت على الدولة كزبون، ومانح للعقود.
وأمكن لهذه الدولة، بفضل ريوع النفط، من أن توسع الطبقات الوسطى المعتمدة على الراتب، وأن تحقق لها ازدهاراً بيناً، في جانب، وأن تخضع جل هذه الطبقات لإيديولوجيا الدولة.
وفي هذا المجال ابتلعت الدولة أو أزالت كل الاتحادات الطوعية للطبقات الوسطى والعاملة، وألحقتها بنظام الحزب الواحد.
أخيراً، هيمنت الدولة الشمولية على مجال إنتاج وتوزيع الثقافة، بما في ذلك وسائل المعلومات والتدخل حتى في لغة التخاطب والاتصال.
هذا الإفراغ المستمر لكل مؤسسات المجتمع المدني جرى في ظل نظام شمولي تندمج فيه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في هيئة عليا (مجلس قيادة الثورة)، مما أسبغ على السلطة، في البدء، طابعاً شديد التمركز، ثم أسبغ عليها طابعاً فردياً.
الحقل الثالث: الأزمة وعواقبها
لا نغالي إذا قلنا أن الريوع النفطية ساعدت في بناء وإرساء النموذج الشمولي، وأمدته بالوسائل اللازمة لانتصار الدولة على المجتمع المدني وتفكيكها إياه. غير أن الحرب العراقية - الإيرانية، أضعفت، بالتضافر مع انهيار أسعار النفط، هذه القدرات الهائلة للدولة الشمولية، فقلَصت إمكاناتها على تمويل الضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية، كما أرغمها على البدء بإصلاح إداري، ثم فك جزئي للاقتصاد الأوامري (command economy) ولم تعد بقادرة على إدامة أجهزة عسكرية وأمنية ضخمة (جيش بنحو نصف مليون، وأجهزة أمنية بنحو ربع مليون، وجهاز إداري يناهز المليون). إن الريعية النفطية قوة عاتية بمعنيين: ثروة مجتمعية قابلة للإسهام في التنمية، وقوة قمعية قادرة على بسط جبروت النخبة الحاكمة. وقد قامت فعلاً بهذين الدورين معاً.
غير أن الأزمة التي احتدمت في أعقاب الحرب العراقية - الإيرانية، ثم في أعقاب حرب الخليج 90-1991، والحصار العاتي، أدَت إلى نشوء وضع فريد: دولة شمولية ضعيفة، ومجتمع مدني منهك، بل محروم من مؤسساته.
في هذا الوضع من الفراغ النسبي، نمت شبكات القرابة، وأشكال التنظيم القبلي، لتسدّ مسدّ مجتمع مدني مغيَب. وبرزت شبكات التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للدين الشعبي حول الجوامع والشخصيات الدينية.
قامت هذه الشبكات، التي شجعتها الدولة، على ملء الفراغ وتقديم خدمات الأمن (الحماية الذاتية)، والقضاء القائم على الأعراف (بعد انهيار أجهزة القضاء والشرطة)، علاوة على التعاضد الاجتماعي (إسعاف الفقراء، الأيتام، العاطلين الخ...).
ارتبطت هذه المؤسسات التقليدية بإحياء القبائل، وهي جزئية تقوم على فكرة الانتساب بالدم (أيديولوجيا النسب) لا على فكرة المواطن، وبات شيخ القبيلة شخصية اجتماعية بارزة من جديد، بعد أن كاد النسيان يطويها في بلد كان يعدّ، منذ القرن التاسع عشر، مقبرة القبائل.
وارتبطت المؤسسات التقليدية أيضاً بالشيوخ الدينيين وأئمة الجوامع والمجتهدين (الشيعة)، وهي أيضاً تقوم على الروابط المحلية، والدينية، وتقترن بنشر رؤى اجتماعية - سياسية ذات منحى أصولي في بعض الأحيان (كالوهابية والخمينية).
لم تعد الدولة الشمولية راعياً اجتماعياً بعد أن قامت بـ تتجير commercialization الخدمات الصحية والتعليمية، ولم تعد منتجاً رئيسياً، لكنها بقيت محتفظة بأجهزة العنف المشروع، متقاسمة السلطة مع القوى ما قبل الحديثة التي أطلقتها.
لقد تحرَر المجتمع، جزئياً، من سيطرة دولة ميَالة إلى الاحتكار المطلق، لكن أفراده بقوا بلا مؤسسات مدنية.
لقد نمت طبقة رجال أعمال عليا، نمواً واضحاً. فعدد أصحاب المليون (ممن توفروا على إيراد يناهز المليون خاضع لضريبة الدخل) بلغ مثلاً 54 في نهاية العهد الملكي، ليرتفع إلى نحو 800 عام 1980، وإلى نحو 3000 بنهاية الحرب العراقية-الإيرانية (1988).
غير أن هذه الطبقات بقيت مفككة قطاعياً، وبقيت منقسمة إلى جماعات قديمة وحديثة، ذات ارتباط قرابى بالنخب الحاكمة، أو ارتباط بأجهزة المخابرات (ما يسمى بـ رأسمالية العباءة والخنجر). أما الطبقات الوسطى التي نمت من 28% عام 1958 إلى 34% عام 1968، فقد بلغت 54% من سكان المدن (عام 1990).
غير أن هذه الطبقات فقدت مكانتها، وانهارت أجزاؤها المعتمدة على الراتب انهياراً مدوياً خلال عقد التسعينات، وباتت ركاماً من فئات مهمَشة.
ولعل طبقة المهمشين الحضر التي بلغت 8% في عز الفورة النفطية في السبعينات، قد توسعت الآن توسعاً هائلاً.
خرج المجتمع المدني من الحرب الاخيرة، إذاً، فاقداً للمؤسسات والروابط الحديثة، فاقداً لثقافته الحضرية-العلمية، منغمساً في شبكة الروابط القبلية-الأسرية والدينية الأصولية، مشبعاً بقيم العنف، بعد ثلاث حروب عاتية.
لا نغالي إذا قلنا، أن بناء المجتمع المدني، مجدداً، سيبدأ مما يقرب من الصفر، في ظروف احتلال أجنبي لا يحظى بأي سند داخلي، بل تشتبك معه جل القوى المجتمعية في صراع سياسي مدني وسلمي لانتزاع الاستقلال الوطني.
أخيراً
إن المؤسسات التقليدية الحالية تقوم مقام مجتمع مدني مغيَب، وإن بقاءها أو تراجعها رهن بمدى النجاح في إرساء هياكل سلطة وطنية، وإعادة تأهيل مؤسسات المجتمع المدني، بأوجهها الأربعة: مؤسسة الملكية الخاصة المنفصلة عن الدولة، والمؤسسات الوسيطة والاتحادات الطوعية، ومجال المعلومات العام، المفتوح والشفاف.
ولن يتحقق مثل هذا البناء من دون قاعدته الأرأس: تحويل إنتاج الثروة إلى مجال اجتماعي مستقل عن الدولة، وبخاصة تحويل الريعية النفطية إلى ثروة بناء اجتماعي لا قوة قمع دولتية.
*
علي الوردي وعلم الاجتماع
تأملات في رحلة معرفية
[ملخص بحث]
فالح عبد الجبار
للكتابة عن علي الوردي مذاق خاص، فهي كتابة عن المجتمع وعن الشخص في آن . ولد الوردي عشية تأسيس الدولة الحديثة، ورحل عشية أفول الجمهورية الرابعة. وتاريخه الشخصي هو، بمعنى من المعاني، تاريخ العراق الحديث. اما استجاباته الفكرية فهي جزء جوهري من تحولات هذه الحقبة.
والبحث في كتابات الوردي (من وعاظ السلاطين – 1954 – الى لمحات اجتماعية – الجزء السادس 1976) يشكل رحلة فكرية متشعبة. فهذا البحث هو تأمل في علم الاجتماع (او بعض اوجهه)، وهو ايضا تأمل في تاملات الوردي في هذا العلم، تواشجا او تنافرا. وأجد في سيرة الوردي الفكرية منابع شتى حافزة على التفكر، اجتزيء منها، لاغراض تركيز البحث ليس الا، العلاقة بين عالم الاجتماع (السوسيولوجي) وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وبتحديد ادق نظريات ومناهج علم الاجتماع. اما نظرية الوردي، خلدونية الأرومة، فستندرج هنا كعنصر ثانوي رغم موقعها المركزي في افكاره ونتاجاته. وسبب هذا الاجراء انني كتبت عن ذلك مبحثا وجيزا مستقلا يقوم على التحليل المقارن بين الوردي وابن خلدون
المبحث الحالي اذن يتركز في الجانب النظري، وهو مسعى لتحليل المصادر النظرية لمنهجية الوردي، التي أراها خلائط من نقائض ذات ثراء خاص، تعتمد مزيجا نظريا انتقائيا هو الآخر.
وتحسبا لأي لبس او ابهام، اقول ان نقائض الفكرة، فهما وتطبيقا، هي دليل عافية فكرية بنظري، كما ان المزيج الانتقائي هو برهان حيوية خاصة، لانه ما من نظرية واحدة تلم بكل جوانب واقع مركب.
اما الباحث عن فكر بلا نقائض، ومناهج بلا تلاقح، فلن يجد مسرته إلا في مقابر التاريخ، حيث السكون المطبق.
ما هي النقائض في منهجية الوردي، وما هو الخلائط الانتقائية، التي يعتمدها؟ الأجابة عن هذين السؤالين تدوران في النقاط الآتية:
اولا – ان مجرد اشتغال الوردي بعلم الاجتماع يبدو، كنقطة انطلاق، في تضاد صارخ مع البيئة الاجتماعية التي ينشط فيها.
واذا صدقنا قولة اوغست كونت (1789 – 1857) من ان علم الاجتماع، هدا الفرع المعرفي الجديد، الذي اسهم هو في تأسيسه، لم يظهر الا بعد انتقال البشرية من المرحلة اللاهوتية، الى الميتافيزيقية، ليصل اخيرا الى المرحلة الوضعية (مرحلة الدراسة العلمية المجردة للوقائع المتاحة امام الحس)، اي فلسفة العصر الصناعي، عصر المدن الكبرى، والعلوم الحديثة، والدول المركزية قومية الطابع، فان ظهور علي الوردي نفسه كعالم اجتماع، في عراق اربعينات القرن المنصرم، في رقعة متأخرة تعيش في عالم ما قبل – وضعي، يشكل تناقضا في التعريف، او استثناء خارقا ان جاز القول.
ثانيا – اعتمادا على ما تقدم، ولد الوردي في عصر انتقالي، يتفكك فيه المجتمع الزراعي المتجزيء قبائل وطوائف، منتقلا الى مجتمع حديث يندمج في أمة ودولة، رغم ان هذه العملية تبدو، من منظار الجمهورية الخامسة، وكأنها تبدأ من جديد.
وولد الوردي ايضا في حقبة تفكك المراتب القديمة من حرف وصنايع، وسادة واشراف ومشايخ، وبروز الطبقات الحديثة.
هدا الوضع الانتقالي اورثه حساسية مرهفة لادراك ديناميكيات التغيير، رغم وجود ميل معاكس عنده (لا شعوري، او مجتمعي ان استعرنا لغته) الى القبول بالسكون او الثبات المجتمعي (القول بوجود "طبيعة" ثابتة للمجتمع العراقي، او "طبيعة" بشرية... الخ).
ثالثا – لما كان الوردي يشخص في المجتمع العراقي ثلاث مشكلات اساسية (صراع البداوة والحضارة،. التناشز الاجتماعي بين الاثنين، تفتت الوعي الجمعي وانغلاقه) فانه يعتمد في معالجته هذه الاوجه على ما يلي:
أ – نظرية ابن خلدون، مفسرة على اساس المنهج التجريبي – الوضعي (بيكون – كونت).
ب – المدرسة السوسيولوجية الاميركية، (جورج هربرت ميد – 1863 – 1931) مؤسس مدرسة "التفاعل الرمزي" Symbolic Interactionفي الجماعات الصغيرة .
ج – المدرسة التاريخية الالمانية (كارل مانهايم وفرديناند كون).
هناك عناصر اخرى مستمدة من علم النفس الاجتماعي في جناحه الاميركي.
رابعا – رغم تكرار الوردي بأنه يعتمد ابن خلدون فان قراءته لهذا الاخير تعيد بناء النظرية
الخلدونية بل تقلبها رأسا على عقب. فصراع البداوة والحضارة الخلدوني يقوم بين نمطين متضادين (ومتفاعلين) من التنطيم الاجتماعي (المدن والبوادي)، اما عند الوردي فهو ازدواج قيمي داخل المدينة، اولا، وضمن الدولة الحديثة ثانيا. وهو، عند الوردي، نتاج صراع الحضارة العراقية مع محيطها البدوي (الجزيرة العربية)، اولا، ثم هو، صراع بين العراق والحضارة الغربية الوافدة ثانيا،
إثر غزو العراق في الحرب العالمية الاولى. لكن الاهم في عملية قلب ابن خلدون رأسا على عقب (وهو قلب ضروري) ان "منطق" ابن خلدون، كما يرى الوردي، ينفصل عن المنطق الا رسطي، الميتافيزيقي، اي القائل بوجود جواهر ثابتة، وكليات عقلية مسبقة. والوردي هنا يقرأ ابن خلدون او يعيد قراءته انطلاقا من المنهج التجريبي (فرانسيس بيكون) والمنهج الوضعي (اوغست كونت) الذي يشكل، من نواح معينة، امتدادا للتجريبية. هذا المزيج الانتقائي، فريد، املته ضروراته الموضوع المدروس.
خامسا – يرى الوردي في علم الاجتماع منهجا لدراسى "الثقافة الاجتماعية" Culture محللا اوجه الثقافة الروحية والمادية (القيم ونمط العيش)، معتمدا على مؤسس علم الاجتماع الاميركي (جورج ميد)، ومتجاوزا اياه في أن، بخروجه على حدود الثقافة الروحية (التفاعل الرمزي) الى رحاب الثقافة المادية ايضا. وهو في هذا يقترب من ماكس فيبر (1864 – 1920).
وان علاقته بعلم الاجتماع الاميركي الذي تأسس متأخرا عن نظيره الاوربي بنحو سبعة عقود، اورثته نزعة وصفية للاحداث والوقائع، تنسجم ونفور المدارس الاميركية في النصف الاول من القرن العشرين، من اية مراجع نظرية كبرى تحدد ماهية المجتمع وماهية علم الاجتماع (تغير هذا الحال في اميركا بعد هجرة الالمان هربا من النازية).
كما ان هذه العلاقة بعلم الاجتماع الاميركي افادته في ملاحظة الفوارق العميقة بين علم الاجتماع الاوربي الذي يضرب جذوره في منظومات فلسفية – لغوية معروفة (الوضعية، الماركسية، البنيوية)، وعلم الاجتماع الاميركي المتحرر نسبيا من هذه الجذور (حتى الفلسفة البراغماتية الاميركية تشبه علم اجتماعها).
سادسا – لكن هذه العلاقة الغنية والنقدية بعلم الاجتماع بجناحيه الاميركي – الاوربي دفعته الى الاعتقاد بوجود خصوصية لكل مجتمع تحتم انشاء علم اجتماع خاص بذلك المجتمع. هذا المنحى الى الخصوصية لم يكن فقط وليد "ضغط" منهجي بل ايضا ثمرة مؤثرات سياسية: صعود الناصرية بمنحاها العروبي، وصعود التيارات القومية العربية (البعث وغيره) الداعية الى انشاء علم اجتماع عربي، كان بحسب الوردي، وعظيا لا علميا.
لكن مبدأ الخصوصية الذي جاهر به الوردي (ولم يطبقه اصلا في كتاباته) وهم ايديولوجي. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل مجتمع عموميته. وما من مجتمع يشبه غيره بحذافيره، بل ما من مجتمع يشبه نفسه قبل قرن، او قرنين، إلا في حدود ضيقة، ثفالة قابلة للحذف.
حقا لقد انحبست نظريات علم الاجتماع في اطر قومية (فرنسا، المانيا، انجلترا، اميركا) خلال جل القرن العشرين، لكنها سرعان ما انفتحت على بعضها البعض في اواخر القرن المنصرم لتولد خلائط خصبة في سياق من التحليل والتركيب.
سابعا – استمد الوردي من المدرسة الالمانية (كارل مانهايم) مفاهيم اساسية لتفسير تنوع انماط المعرفة حبيسة التنظيمات الاجتماعية، مثلما استمد من مانهايم قواعد نظرية لدراسة الدولة الحديثة. الأهم في ذلك هو اعتماد مبدأ النسبية المعرفية الذي يشكل اليوم اساس فكر ما بعد الحداثة.
اما فرديناند تونيس فقد استمد الوردي منه (على نحو غير مباشر – اعتمادا على ماكايفر صاحب مفهوم التناشز الثقافي والتصادم الثقافي) افكار التمايز والتضاد بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث (الصناعي). الاول، حسب تونيس، منظم في جماعات، والثاني منظم في مجتمع كبير. في الاول ثمة علائق حسية مباشرة، واحساس بالمكان (الجغرافي والاجتماعي)، والانتماء، واعتماد تقاليد ثابتة، تسيطر فيها العائلة والكنيسة (الدين). اما في الثاني فتسود العلائق اللاشخصية، والمصالح الاقتصادية، والتنافس على الموارد، في حراك متصل، متغير يربأ بالثبات. لكن الوردي حبس التضاد بين الحداثة والتقليد في قفص البداوة والحضارة الخلدونية، علما ان حضارة ابن خلدون شأن بداوته تنتمي الى العالم ما قبل الحديث.
ثامنا – اخيرا ابتدع الوردي في هذه الرحلة طريقا ثالثا للخروج من اسار الفكر القومي المتزمت، او قواعد الفكر اليساري في صيغته المتحجرة. ولم يكن من باب المصادفة ان يدعو الى مجتمع يعتمد الليبرالية السياسية.
كان يحرص على تفرده في مجتمع يبغض الفردية، وينفتح على كل النظريات في مجتمع يحول النظرية الى معتقد ديني، ويمضي في البحث وسط مؤسسات علمية خاضعة لجبروت الدولة، ومجردة من حرية التفكير والبحث الطليق.
هذا وحده اعجاز!
لندن
10 تموز 2005-07-11
في استشراء العنف الأصولي
فالح عبدالجبار - 24/07/05//
بدا مشهد الدم في محطات المترو في قلب لندن (كنغز كروس – يوستن، آلدغيت، ليفربول واجوار رود) تكراراً مصغراً للتفجيرات المتكررة في العراق ولبنان، أو مدريد وباريس. وحين نتذكر التفجيرات المماثلة في مصر أو السعودية، أو باكستان وماليزيا، وأندونيسيا، نجد ان القائمة تطول.
ثمة اخطبوط شبحي يمد أذرعه في زوايا المعمورة، معلناً عن نفسه باسم ايديولوجيا «سامية»، تقرر، بداهة، حق الحياة والموت، والرائح والغادي، ملغية العالم كله باعتباره الشر المطلق، بازائها هي بوصفها الخير المطلق.
استقبل بعضنا نحن ا لعرب هذا الحدث بإشهار الغضب على التفجير، والعطف على الضحايا المدنيين، باعتبار ان لندن هي أكثر المدن عطفاً على قضايانا. (المضمر في هذا القول: لا ضير من استهداف المدن التي لا تبدي مثل هذا العطف!).
ومال بعضنا الى ابداء التشفي تحت يافطة ان هذا القتل الجمعي، البربري بكل المقاييس، شبيه بعنف الدولة (الغربية طبعاً)، فاتحين الباب على مصراعيه أمام تعميم العنف وسيلة مثلى للسياسة. وعمد بعضنا الآخر الى تحميل الضحية أوزار العنف، على قاعدة الفعل ورد الفعل، وبالذات ان تفجيرات لندن هي رد اسلامي على مساهمة بريطانيا في احتلال العراق، علماً ان جلّ العراقيين، وهم أصحاب القضية قبل غيرهم، يرون في بناء القوى الذاتية للجمهورية الخامسة، المشرعنة بصناديق الاقتراع (8.5 مليون ناخب) هي السبيل لخروج قوات الاحتلال.
أجد في الكثير من ردود الفعل العربية، وبخاصة «خبراء» الفضائيات في صناعة الكلام، اسرافاً في العاطفة، وإيغالاً في التبرير، وفقراً أخلاقياً، لابساً أسمال تحليل مهلهل.
نحن بازاء عنف ديني ما يني يتسع منذ عقدين. ففي 1980 لم تكن هناك سوى بضع منظمات دينية ميالة الى العنف. بعد عقد تقريباً نما العدد الى ثلاثين حركة عنف نصفها من اصول دينية. أما في 1995 فبلغ عدد الحركات الدينية العنيفة ستة وعشرين حركة جلها إسلامية.
ينبغي التنويه بأن كل الأديان ساهمت في هذا العنف. وان عدداً من الايديولوجيات الدنيوية قامت أيضاً مقام حاضنة لهذه البربرية الجديدة. إلا ان الحركات ذات المنشأ الاسلامي احتلت مركز الثقل في هذا الانقلاب. وتؤلف القضايا التي تشكل المهماز المحفز لهذا العنف تؤلف تشكيلة واسعة، تبدو متنافرة: فثمة قضايا ذات طابع قومي (فلسطين) ونزاعات حدودية – دينية (كشمير)، وقضايا أقليات (مسلمة) تعارض التهميش السياسي (الشيشان، البوسنة، الفيليبين، الصين)، وثمة حركات احتجاج على حكومات استبدادية أو اصلاحية، وثمة عنف طائفي (سني أو شيعي في الباكستان وغيرها)، وثمة أصولية ثقافية، تعارض الانفتاح، مثلما تعارض السياحة، والانترنت، وما شاكل، وثمة أصولية فكرية غارقة في عبادة ماض مثالي، مجرد في الخيال من كل شائبة، وثمة رُهاب من كل ما هو غريب وأجنبي، وثمة، وثمة...
في وسع هذه القائمة ان تطول، وان تتداخل عناصرها تداخلاً غريباً ينتج لنا توليفة من مصادر تكوين أصوليّ العصر الحديث: سفاح يضع قدماً في الماضي وقدماً في الحاضر، تائهاً بين عالم يمضي بسرعة جنونية قدماً، وأوطان ما تني تبتعد في أفكارها وقيمها عن ملامسة الحاضر.
يبغض هذا السفاح المرأة، ويرتعد من كل وسائل الاتصال الحديثة (التلفزيون، الانترنت، السينما)، ويصاب بالدوار والغثيان لدى سماع الموسيقى، ويفزع من أي تلاقٍ بين الجنسين، ولا يطيق مناقشة أو رأياً في تراثه، أو في تفسيره لهذا التراث. وعلى رغم انه غارق حتى أذنيه في كل منتجات الحضارة الحديثة، من ساعة اليد، الى النظارات الطبية، ومن الانترنت، الى الهاتف النقال، ومن السيارات، الى الصواريخ، ولا يكف عن استعمالها ليل نهار، فإنه يشجب الحضارة الحديثة باعتبارها صنماً. وهذا البكّاء على أطلال الماضي انما يخشى الحاضر. والماضي الذي يستدعيه الى الوجوه ملقياً بقداسته في وجه كل الخصوم، إنما هو وهمه الذاتي عن هذا الماضي.
ويجد هذا الايديولوجي القادم من كهوف العصر الحجري، أو من البوادي الفكرية القاحلة، فئات غاضبة، مهمشة، أو مثالية، في خدمته.
كان أسامة بن لادن، على قول أخيه يسلم، يبغض الراديو والتلفزيون ولا يسمح لأولاده بأي تماس مع هذه المخترعات. ولم يجد هذا الأصولي المنغلق خيراً من الأميين الأفغان، وثفالات المجتمعات العربية، جمهوراً لمواعظه الفارغة. انه شأن صنيعته الزرقاوي، رجل العودة الى الماضي، والمجتمع الذكوري المنغلق، والطهرية الفارغة. وأدعياء القداسة اولئك هم الابناء المحبطون للايديولوجيات الصحراوية، التي لم تجد من صحراء في عالم الحواضر سوى قفار أفغانستان، حيث 90 في المئة من السكان في البوادي، وحيث الخرافة، والانغلاق السرمدي. وتمد هذه الايديولوجيا اخطبوطها الى ما وراء هذه القفار بفضل الهجرة التي حملت الكثيرين الى شواطئ أوروبا التي ترفض تسليمهم الى حكومات بلدانهم استناداً الى قانون انساني يحظّر طرد اللاجئ الى موطنه ان كانت حياته في خطر.
لا مراء في ان الإعلام أسهم في صنع هذه الأصنام وتحولها الى نوع من «روبن هود». يمجد هؤلاء «القديسون الدمويون» العنف لخواء خطابهم، وهو عنف يفتك بالمسلمين قبل غيرهم. في العراق وحده بلغ ضحايا هذا العنف الأصولي من المدنيين زهاء 24 ألفاً. ونحن بالطبع ميالون الى البكاء من العنف ان طاولنا مباشرة، والتباكي عليه ان طال غيرنا.
وبالعودة الى الحركات الاسلامية العنيفة، نجد في خلائطها اربعة أنماط اساسية من الاسلام العنيف: ثمة الاسلام القومي (النزوع الى الاستقلال)، وثمة الاسلام الاجتماعي (الاحتجاج على التهميش والاقصاء) وثمة الاسلام الثقافي (المعادي للقيم الحديثة، للمرأة، للتلفزيون، للسينما) وثمة الاسلام الكوني المحارب الذي يرى وجوب خوض حرب الحضارات.
وعلى رغم ان هذه الأنماط تشترك في صفات عدة، إلا ان صنفها الأخير هو الأخطر عالمياً، في حين ان اصنافها الثلاثة الأولى هي الأعنف محلياً (في محيط العالم العربي – الإسلامي). ويعاني العراق من هذه الأصناف كلها مجتمعة، زائداً علاوات اخرى غير سارة.
ويرى هؤلاء في التدمير الوسيلة الوحيدة: بحرق دكان، أو نسف قطار، أو تدمير محطة كهرباء، أو قتل حلاق (لأنه يقص الشعر على الطريقة الغربية!) أو حرق محطة كهرباء، أو تدمير مسجد، وقتل أئمة صلاة.
ماذا يريد الاسلام الكوني المحارب الذي هاجم لندن وغيرها من عواصم غربية وعربية؟
ذات مرة قرأت وثيقة أصولية أدهشتني لشدة ما فيها من إيهام ذاتي ووضوح الغاية. تقول الوثيقة، الصادرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي إثر انسحابه من أفغانستان: الآن وبعد أن دحرنا (؟) الجناح الكافر من الحضارة الغربية، سنعمل على دحر جناحها الصليبي، وإقامة حكم الإسلام. يتوهم هذا البنّاء، الذي لا يعرف غير الهدم، انه هو الذي هزم الاتحاد السوفياتي، وهو موقن كل اليقين ان فرقته «الناجية» كفيلة بهزيمة العالم بأسره.
هناك تفسيرات عدة لهذه الحركات أغلبها ظرفي، يرتبط بهذا الحدث أو ذاك. والمشكلة، كما أظن، تكمن في توتر، بل قل فشل، المنطقة العربية – الاسلامية في الانتقال من عالم ما قبل الحديث، وتكمن أيضاً في التوترات الناجمة عن تطور الغرب، مثلما تكمن في العلاقة بينهما.
ان «الاسلام الكوني المحارب» يريد العودة بنا الى عصر الحروب الدينية التي استهلكت قرنين من جهود أوروبا في بناء نفسها. وأجد ان المسؤولية تثقل كاهلنا بالدرجة الأولى، فلا نزال في منزلة وسطى بين عالم التراث الغابر، وعالم الحضارة الذي ندخله منذ قرن على وجل.